اعمدة ورأي

حين تنهب الحياة ولا تنهب الإرادة محمد الجعلي.. حكاية رجل هزم الحرب بقلم : محمد يوسف عبد الرحمن (ميدي)

حين تنهب الحياة ولا تنهب الإرادة محمد الجعلي.. حكاية رجل هزم الحرب بقلم : محمد يوسف عبد الرحمن (ميدي)

حين تنهب الحياة ولا تنهب الإرادة

محمد الجعلي.. حكاية رجل هزم الحرب

بقلم : محمد يوسف عبد الرحمن (ميدي)

في زمنٍ تتكاثر فيه مشاهد الانكسار، وتعلو فيه ضوضاء الحرب على كل صوت، تظل هناك حكايات أخرى تُكتب بصمت… حكايات نجاح وُلدت من قلب المعاناة، ونمت رغم القسوة، وأثبتت أن الإنسان أقوى من الظروف. هذه القصص لا تُروى لمجرد السرد، بل لأنها تُضيء الطريق، وتمنح الأمل، وتقدّم نماذج حيّة يُحتذى بها. ففي خضم الفوضى، ينهض أناسٌ عاديون بإرادة استثنائية، ليؤكدوا أن البناء ممكن، وأن النهوض لا يحتاج إلى ظروف مثالية، بل إلى عزيمة لا تنكسر.
في زمنٍ تتكسر فيه الأحلام على صخور الحرب، وتذوب الطموحات تحت أقدام الفوضى، يخرج من بين الركام رجالٌ لا يُشبهون الانكسار. رجالٌ إذا سقطوا نهضوا، وإذا خسروا أعادوا الحساب من الصفر دون أن يفقدوا الإيمان. ومن بين هؤلاء يسطع اسم الشاب السوداني محمد الجعلي باشكار… قصة إنسان لم تهزمه الحرب، بل صقلته حتى صار أشد صلابة.
بدأ محمد من لا شيء. لم يرث ثروة، ولم تفتح له الدنيا أبوابها بسهولة، بل شق طريقه بيديه في واحدة من أكثر المهن صعوبة: تجارة قطع غيار السيارات. في قلب الخرطوم، حيث السوق لا يرحم، والنجاح لا يُمنح بل يُنتزع، استطاع أن يبني اسماً محترماً، وسمعة طيبة أصبحت رأس ماله الحقيقي قبل المال.
كان يعرفه الجميع… لا فقط كتاجر ناجح، بل كإنسان كريم، يده ممدودة بالخير. لم يكن المال عنده غاية، بل وسيلة ليكون سنداً لأهله، وعوناً لجيرانه، وظهراً لأصدقائه. كان نموذجاً حياً للشاب العصامي الذي يصنع نفسه بنفسه، دون ضجيج، ودون ادعاء.
لكن الحرب حين تأتي، لا تطرق الأبواب… بل تقتحمها. في العام الذي تحولت فيه الخرطوم إلى ساحة فوضى، جاءت الضربة القاسية. نهبت مليشيا الجنجويد متجره ومخازنه، وسُرقت بضاعته التي تُقدّر بملايين الجنيهات. سنوات من التعب تبخرت في لحظات. لم يتركوا له شيئاً… لا رأس مال، ولا بضاعة، ولا حتى ذكرى يمكن أن تُعلّق على جدار.
خرج محمد من الخرطوم مُجبراً، لا هارباً من الفقر، بل من بطش السلاح. تنقل بين مدن السودان، من الكَوَّة إلى ود مدني، ومن بورتسودان إلى عطبرة، يحمل معه ما تبقى من حلمه. لم يكن يبحث فقط عن الأمان، بل عن فرصة جديدة للحياة.
ثم شدّ الرحال إلى القاهرة، “قاهرة المعز”، ليستقر مع أهله، لكن قلبه ظل معلقاً هناك… في السودان. كان يؤمن أن الوطن ليس مكاناً نعيش فيه فقط، بل روح تسكننا. كان يعشق السودان حدّ الثمالة. لم يستطع الغياب طويلاً… فعاد. عاد رغم الخسارة. عاد رغم الألم. عاد ليبدأ من جديد، وكأن شيئاً لم يكن.
في ود مدني، أعاد بناء نفسه مرة أخرى. فتح دكاناً محترماً، جمع رأس مال جديد، وأعاد اسمه إلى الواجهة. وكأن القدر يمنحه فرصة ليختبر صلابته من جديد. لكن المأساة تكررت… دخلت المليشيا المدينة، ونهبت كل شيء مرة أخرى. نفس المشهد، نفس الألم، نفس الخسارة. وهنا، يسقط كثيرون… لكن محمد لم يكن من هؤلاء.
تحرك من جديد. إلى بورتسودان، ثم مصر والعودة لعطبرة. في كل مدينة كان يزرع بذرة، ويصنع اسماً، ويجمع رأس مال، وكأن الخسارة لم تكن سوى استراحة قصيرة في طريق طويل. لم يكن يقبل أن يكون ضحية، بل كان يصرّ أن يكون صانعاً لحياته مهما كانت الظروف.
وأخيراً… عاد إلى الخرطوم. عاد لا مثقلاً بالهزيمة، بل متأهّبًا لانطلاقةٍ جديدة. عاد وقد صقلته التجارب، وعلّمته قسوة الألم، ورسّخ في داخله إيمانًا لا يتزعزع. عاد ليؤكد أن المال قد يُسلب، لكن الإرادة لا تُنتزع.
قصة محمد الجعلي باشكار ليست مجرد حكاية تاجر خسر وأعاد البناء، بل هي درس عميق لشباب السودان، ولكل شاب يواجه ظروفاً قاسية: أن الطريق لا ينتهي بالخسارة، وأن السقوط ليس النهاية، بل بداية جديدة لمن يملك الإرادة.
هو مثال للشاب الذي يؤمن بالعمل، ويؤمن بأن بناء الوطن يبدأ من بناء النفس. رجل لم تكسره الحرب، بل جعلته أكثر وعياً، وأكثر قوة، وأكثر إصراراً على النجاح.
في زمن الحرب… كان هو السلام الذي يبنيه بيديه. وفي زمن الانهيار… كان هو الإعمار الذي لا يتوقف.
محمد الجعلي باشكار… ليس مجرد اسم، بل حكاية وطنٍ يسكن رجلاً، ورجلٍ يرفض أن يسقط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى