اعمدة ورأي

حراس المقابر الأيديولوجية: حين تعيش الأفكار الميتة أطول من أوطانها د.أيمن محجوب عبد الله محمد

حراس المقابر الأيديولوجية: حين تعيش الأفكار الميتة أطول من أوطانها د.أيمن محجوب عبد الله محمد

حراس المقابر الأيديولوجية: حين تعيش الأفكار الميتة أطول من أوطانها
د.أيمن محجوب عبد الله محمد

في المشهد السياسي السوداني، تبرز مفارقة لافتة: أحزاب ترفع رايات أيديولوجيات فقدت بريقها في مواطن نشأتها، لكنها ما تزال تتشبث بها محليًا كأن الزمن لم يتحرك. من بين هذه التيارات حزب البعث العربي الاشتراكي، والحزب الناصري السوداني، والحزب الشيوعي السوداني. والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تبقى هذه “الأفكار المحنطة” حية في السودان، بينما تراجعت أو تحولت جذريًا في بيئاتها الأصلية؟
لقد نشأت أيديولوجيا البعث في سياق خمسينيات القرن الماضي، حاملة شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية. لكنها ارتبطت لاحقًا بتجارب سلطوية في العراق وسوريا، وانتهت فعليًا كحلم وحدوي جامع. أما الناصرية، فقد كانت امتدادًا لكاريزما مشروع جمال عبد الناصر، وانحسرت بانتهاء مرحلتها التاريخية وتبدل موازين الإقليم. والشيوعية، التي مثّلت في القرن العشرين تيارًا عالميًا صاعدًا، فقدت مركزها الرمزي بسقوط الاتحاد السوفيتي، وتحوّل معظم الأحزاب الشيوعية في العالم إلى صيغ اجتماعية ديمقراطية أو مراجعات فكرية عميقة.
غير أن المفارقة السودانية تكمن في استمرار هذه التيارات وكأنها خارج الزمن. الخطاب ذاته، الشعارات ذاتها، والعدوّ ذاته، بينما الواقع تغيّر جذريًا: دولة منهكة بالحروب، اقتصاد مأزوم، مجتمع شاب يبحث عن فرص ومعنى جديد للسياسة. هنا تتجلى “الكوميديا السوداء”: أحزاب تتحدث بلغة الستينيات والسبعينيات في بلد يعيش أزمات القرن الحادي والعشرين.
المشكلة ليست في حق أي تيار في الوجود أو التعبير؛ فالتعددية ثراء. لكن الإشكال في الجمود الفكري. حين تتحول الأيديولوجيا إلى هوية مغلقة لا تقبل المراجعة، تصبح أقرب إلى أثرٍ متحفيٍّ منه إلى مشروعٍ سياسي حي. السياسة بطبيعتها حركة، والواقع لا ينتظر من يتأخر عن قراءته. إن الإصرار على استنساخ تجارب تاريخية دون نقد أو تطوير، هو ما يجعل المشهد أقرب إلى إعادة عرض مسرحية قديمة أمام جمهور تغيّر ذوقه وهمومه.
ثم إن الأجيال الجديدة في السودان لم تعد تُعبّأ بالشعارات الكبرى بقدر ما تبحث عن حلول ملموسة: تعليم جيد، فرص عمل، عدالة انتقالية، دولة قانون. وهذه قضايا تتطلب برامج عملية أكثر من خطابات أيديولوجية عامة. لذلك يبدو التناقض صارخًا بين طموحات الشباب وخطابات بعض القيادات التي لا تزال أسيرة معارك فكرية تجاوزها العالم.
قد يجادل البعض بأن بقاء هذه التيارات دليل على حيوية سياسية أو وفاء للمبادئ. لكن الوفاء الحقيقي لا يكون بتجميد الفكرة، بل بتجديدها. فالأفكار التي لا تتطور تموت ببطء، حتى لو ظل اسمها قائمًا. والتاريخ لا يرحم من يرفضون التعلم من تجاربه.
إن “الكوميديا السوداء” ليست في وجود هذه الأحزاب بحد ذاته، بل في الفجوة بين خطابها والواقع، بين الماضي الذي تستحضره والمستقبل الذي يتطلب رؤية مختلفة. والسؤال الأهم: هل تملك هذه التيارات شجاعة المراجعة، أم ستظل تحرس أطلال أيديولوجيات انتهى عصرها؟
في نهاية المطاف، السودان لا يحتاج إلى أفكار محنطة، بل إلى أفكار حية؛ لا إلى استدعاء أمجاد خطابية، بل إلى مشروع وطني مرن يستجيب لتحولات الداخل والإقليم والعالم. السياسة ليست متحفًا للأيديولوجيات، بل ورشة مفتوحة لإعادة البناء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى