اعمدة ورأي

المعركة ضد خطاب الكراهية لا تقل أهمية عن معركة المليشيا.. بقلم: عباس إدريس جعفر

المعركة ضد خطاب الكراهية لا تقل أهمية عن معركة المليشيا.. بقلم: عباس إدريس جعفر

المعركة ضد خطاب الكراهية لا تقل أهمية عن معركة المليشيا
بقلم: عباس إدريس جعفر
في الوقت الذي تنشغل فيه الأنظار بأصوات الرصاص ودويّ المدافع في السودان، هناك معركة أخطر تُخاض بصمت—معركة لا تُرى بالعين، لكنها تُدمّر ما هو أعمق من الجغرافيا: تُدمّر الإنسان نفسه.
إنها معركة الوعي.
فالحروب، مهما طال أمدها، تنتهي. لكن الكراهية حين تستقر في العقول، لا تنتهي بانتهاء المعارك، بل تتحول إلى قنابل موقوتة، تنفجر في وجه الأجيال القادمة. وحين ينحدر الصراع من خلاف سياسي إلى صراع هويات، فإننا لا نكون أمام حرب… بل أمام مشروع تفكيك وطن.
لقد وصلنا إلى مرحلة خطيرة لم يعد فيها “العدو” يُعرّف بسلوكه أو موقعه في ساحة القتال، بل بهويته وانتمائه. وهنا تكمن الكارثة: حين يُدان الإنسان لا بما فعل، بل بما هو عليه. هذا هو المنحدر الذي تبدأ عنده كل الإبادات، وكل الجرائم الكبرى في التاريخ.
المعركة العسكرية قد تُحسم بالسيطرة على الأرض، لكن المعركة ضد خطاب الكراهية تُحسم بالحفاظ على ما هو أهم: بقاء المجتمع نفسه. فالدولة ليست ترابًا فقط، بل بشرٌ يجمعهم حد أدنى من الثقة والانتماء المشترك.
وخطاب الكراهية ليس مجرد كلمات غاضبة… بل هو وقود حرب لا ينضب. هو الذي يُسهّل القتل، ويُبرّر الظلم، ويحوّل الجار إلى عدو، والمواطن إلى هدف مشروع. وهو السلاح الأخطر، لأنه لا يُطلق من بندقية، بل من عقل مُعبّأ بالحقد.
السكوت على هذا الخطاب ليس حيادًا… بل تواطؤ.
ومواجهته ليست ترفًا فكريًا… بل واجب وطني.
نحن بحاجة إلى معركة موازية لا تقل شراسة:
معركة تُخاض بالكلمة المسؤولة، بالإعلام المهني، بالتعليم الذي يُعيد بناء الوعي، بالقانون الذي يضع حدًا للتحريض، وبالعدالة التي تُنصف الضحايا دون تمييز.
كما أن المسؤولية لا تقع على الدولة وحدها، بل على كل فرد. فالكلمة التي تُكتب قد تُنقذ حياة… أو تُشعل فتنة. والمنشور الذي يُنشر قد يكون رصاصة، وإن لم يُسمع لها صوت.
إن بناء خطاب وطني جامع لم يعد خيارًا مؤجّلًا، بل ضرورة عاجلة. خطاب يُعيد تعريف السودان كهوية واحدة تتسع للجميع، لا كساحة صراع بين قبائل وأعراق.
في النهاية، قد تحدد المعركة العسكرية من يسيطر على الأرض…
لكن المعركة ضد الكراهية هي التي تحدد: هل سيبقى هناك وطن أصلًا؟
فالانتصار الحقيقي ليس في إسكات البنادق فقط،
بل في إخماد نار الكراهية قبل أن تلتهم ما تبقى منا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى