عقوبات على شبح: حين تعاقب أمريكا ما لم يعد موجوداً د.أيمن محجوب عبد الله محمد
عقوبات على شبح: حين تعاقب أمريكا ما لم يعد موجوداً د.أيمن محجوب عبد الله محمد

عقوبات على شبح: حين تعاقب أمريكا ما لم يعد موجوداً
د.أيمن محجوب عبد الله محمد
في خضم عالمٍ يموج بالصراعات والتحالفات المتبدلة، تطل علينا الولايات المتحدة بقرار جديد يقضي بفرض عقوبات على ما تسميه “الإخوان المسلمين في السودان”، وتصنيفهم جماعة إرهابية. قرارٌ جاء فجأة، بلا تمهيد أو تدرج، وكأنه ومضة برق في سماء سياسية مضطربة أصلاً. لكن السؤال البديهي الذي يفرض نفسه: على من فُرضت هذه العقوبات فعلياً؟
فالواقع السياسي في السودان اليوم يقول إن ما يسمى بتنظيم الإخوان المسلمين لم يعد موجوداً ككيان فعلي أو مؤثر على الأرض. لقد تبددت تلك البنية التنظيمية التي كانت مرتبطة بالنظام السابق، وتفرقت عناصرها بين المنافي والصمت السياسي، وبعضهم غادر المشهد تماماً. فإذا كانت العقوبات تستهدف تنظيماً لم يعد قائماً، فإننا أمام حالة سياسية غريبة: معاقبة كيان افتراضي لا حضور له في الواقع.
الأكثر غرابة أن هذا القرار جاء في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تخوض الولايات المتحدة مواجهة سياسية وعسكرية مباشرة وغير مباشرة مع أيران في أكثر من جبهة. وفي مثل هذه الأجواء يصبح من المشروع التساؤل: هل السودان مجرد ساحة جانبية في حسابات صراع أكبر؟ وهل تُستخدم العقوبات كورقة ضغط رمزية لا علاقة لها بالواقع السوداني؟
لكن قبل الخوض في دلالات القرار، يبرز سؤال أساسي: كيف يتم أصلاً تصنيف أي جماعة كمنظمة إرهابية في الولايات المتحدة؟
فالأمر لا يتم بقرار إعلامي أو تصريح سياسي عابر، بل يخضع لمسار قانوني محدد داخل مؤسسات الدولة الأمريكية. فوفقاً للمادة (219) من قانون الهجرة والجنسية الأمريكي، تتولى وزارة الخارجية الأمريكية بالتعاون مع وزارة الخزانة ووزارة العدل جمع الأدلة والمعلومات المتعلقة بالمنظمة أو الجهة المعنية. ويقوم وزير الخارجية بتقديم ملف متكامل يتضمن البيانات والاتهامات إلى الكونغرس الأمريكي للنظر فيه. وبعد ذلك يملك الكونغرس حق الموافقة على التصنيف أو الاعتراض عليه وفق الإجراءات القانونية المعمول بها في الولايات المتحدة.
غير أن القانون الأمريكي يضع شروطاً واضحة قبل إدراج أي جهة في قائمة الإرهاب. إذ يجب أن تكون المنظمة أجنبية، وأن تكون منخرطة في أنشطة إرهابية أو تقدم دعماً مباشراً لها، وأن تشكل تلك الأنشطة تهديداً للأمن القومي الأمريكي أو سلامة مواطني الولايات المتحدة.
أما بعد صدور قرار التصنيف، فتبدأ سلسلة من الإجراءات العملية. إذ تقوم وزارة الخارجية ووزارة الخزانة الأمريكية بإعداد سجل رسمي للكيان أو الأفراد المعنيين، ويتم بموجبه تجميد الأصول والأرصدة الموجودة داخل الولايات المتحدة أو في أي مؤسسات مالية خاضعة للنفوذ أو الرقابة الأمريكية. كما يتم إخطار المؤسسات المالية الأمريكية بقرار الحظر وإلزامها بحجز أي أموال أو معاملات مرتبطة بالفرد أو الجهة المصنفة. ويظل هذا التصنيف سارياً إلى أن يتم إلغاؤه رسمياً من قبل الحكومة الأمريكية أو انتهاء صلاحيته القانونية أو إبطاله عبر المسار القضائي.
لكن المفارقة في الحالة السودانية أن هذه الآلية القانونية المعقدة تُطبَّق على كيان يرى كثير من المراقبين أنه لم يعد موجوداً فعلياً في المشهد السياسي السوداني. وهنا يعود السؤال ليطرح نفسه بقوة: هل نحن أمام إجراء قانوني يستند إلى واقع حي، أم أمام قرار سياسي يعاقب ظلاً من الماضي؟
وللتذكير، فإن تجربة السودان مع العقوبات الأمريكية ليست جديدة. فقد امتدت العقوبات الشاملة على نظام الكيزان في عهد الرئيس عمر البشير لأكثر من عقدين. بدأت فعلياً عام 1993 عندما أُدرج السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب، ثم جاء القرار التنفيذي الشهير عام 1997 حين فرض الرئيس الأمريكي بيل كلينتون حظراً مالياً وتجارياً شاملاً على البلاد. لاحقاً أضيفت عقوبات أخرى في عام 2006 بسبب أزمة دارفور، قبل أن تبدأ إدارة بارك أوباما خطوات تخفيفها عام 2017، وهو المسار الذي استكملته إدارة دونالد ترامب برفع معظم القيود الاقتصادية بعد أكثر من عشرين عاماً من العزلة بعد أن دفع السودان مبلغ 335 مليون دولار عبر حكومة حمدوك آنذاك كتعويض عن هجمات تنظيم القاعدة على سفارتي واشنطن في تنزانيا وكينيا عام 1998.
ومع ذلك، فإن تلك العقوبات الطويلة لم تُسقط النظام مباشرة، ولم تُضعف الإسلاميين بالقدر الذي كان متوقعاً. لقد تكيفوا معها لسنوات طويلة ووجدوا طرقاً للالتفاف عليها، بينما كان المواطن السوداني البسيط هو من يدفع الثمن الأكبر عبر التضخم والعزلة الاقتصادية وتعقيدات التحويلات المصرفية.
واليوم، بعد أن تغيرت الظروف وتبدلت المعادلات، تعود العقوبات في توقيت يبدو بلا أثر حقيقي. فالسودان يعيش حرباً قاسية يخوضها السودانيون دفاعاً عن دولتهم في مواجهة مليشيا الجنجويد فيما يعرف “حرب الكرامة”. وفي مثل هذا السياق المصيري يبدو قرار أمريكي من هذا النوع صفراً على الشمال في معادلة الصراع الداخلي؛ فلا هو يغير ميزان القوى، ولا يؤثر في مسار المعركة على الأرض.
إن المشكلة الأعمق ليست في هذه العقوبات وحدها، بل في الفلسفة السياسية التي تقف خلفها. فالولايات المتحدة كثيراً ما تتصرف وكأنها وصي على العالم: تعاقب هذه الدولة، وتضغط على تلك، وتلوح بسلاح العقوبات كلما أرادت إعادة تشكيل المشهد السياسي في بلد ما. تارة تُفرض الشروط على الحكومات، وتارة تُمارس الضغوط على الاقتصاد، وأحياناً يصل الأمر إلى محاولة التأثير حتى في اختيار القيادات السياسية أو الدينية(قرار اختيار المرشد الإيراني دليل علي ذلك).
وهنا يبرز السؤال الكبير: من منح دولة واحدة حق توزيع الشرعية والعقوبات على بقية العالم؟
لقد تغيّر العالم كثيراً، ولم تعد الشعوب تقبل بسهولة فكرة الوصاية الدولية. أما السودان، الذي خبر العقوبات طويلاً، فقد تعلم درساً واضحاً: أن القرارات القادمة من وراء المحيطات قد تخلق ضجيجاً سياسياً، لكنها في كثير من الأحيان لا تغير شيئاً في حقائق الأرض.
وهكذا يبدو القرار الأخير أقرب إلى بيان سياسي منه إلى إجراء مؤثر: عقوبات على اسمٍ أكثر منها على واقع، وعلى فكرةٍ أكثر منها على تنظيم. وفي نهاية المطاف يبقى السؤال معلقاً في الهواء: هل تعاقب واشنطن السودان اليوم… أم تعاقب شبحاً من الماضي؟




