اعمدة ورأي

السودان يحترق… وبعض أبنائه يتطوعون لحماية من يؤذيه د.أيمن محجوب عبد الله محمد

السودان يحترق… وبعض أبنائه يتطوعون لحماية من يؤذيه د.أيمن محجوب عبد الله محمد

السودان يحترق… وبعض أبنائه يتطوعون لحماية من يؤذيه
د.أيمن محجوب عبد الله محمد

في الآونة الأخيرة انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع لبعض السودانيين المقيمين في دولة الشر يعلنون فيها استعدادهم للتطوع والدفاع عن دولة الشر ضد الاعتداء الخارجي من إيران. ويستند هؤلاء إلى حجة أن الاعتداء على سيادة أي دولة هو انتهاك واضح للقانون الدولي، وأن الوقوف مع الدولة التي يعيشون فيها واجب أخلاقي. غير أن هذه المواقف تفتح باباً واسعاً لأسئلة مؤلمة تتعلق بالأولويات والذاكرة السياسية والوفاء للوطن الأصلي.
فالدفاع عن سيادة الدول مبدأ صحيح في القانون الدولي، ولا خلاف على أن أي اعتداء على أراضي دولة مستقلة أمر مرفوض. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: أين كانت هذه الحماسة نفسها عندما كان السودان يمر بأقسى محنه؟ أين كانت هذه الأصوات حين كانت مدن السودان تحترق، وأهله يواجهون الاغتصاب والموت والنزوح والدمار؟ إن الدفاع عن العدالة لا يكون انتقائياً، ولا ينبغي أن يُختزل في المكان الذي يوفر العمل أو الإقامة.
لقد عانى السودان في السنوات الأخيرة من حرب مدمرة تورطت فيها دولة الشر من دعم بالسلاح والمال والمرتزقة للمليشيا لقتل واغتصاب واذلال أهلكم السودانيين يا هؤلاء. وقد تداولت تقارير وتحليلات سياسية عديدة لقنوات وصحف عالمية دور دولة الشر ودعمها الذي ساهم في تعقيد الصراع السوداني وأطاله أمد الحرب. وفي ظل هذه الخلفية، يبدو غريباً أن يتحمس بعض السودانيين للدفاع عن سيادة دولة فعلت كل هذا بوطنهم بينما لم يُسمع لهم صوت بنفس القوة عندما كانت سيادة وطنهم تُنتهك ويُقتل أبناؤه من قبل نفس الدولة التي يدافعون عنها. إن هذا التناقض يطرح سؤالاً أخلاقياً مشروعاً: أليس ما حدث من تدخلات من دولة الشر في الشأن السوداني انتهاكاً لسيادة السودان أيضاً؟ وكيف يمكن التوفيق بين الحماسة للدفاع عن سيادة الآخرين والصمت أو الخفوت حين يتعلق الأمر بسيادة الوطن؟ إنها أسئلة تعكس إشكالية الازدواجية في المواقف، وتدعو إلى مراجعة صادقة للضمير قبل إطلاق الشعارات. ما هذه الازدواجية في المواقف يا سادة.
إن القضية هنا ليست عداءً لدولة بعينها، ولا دعوة للكراهية أو الصراع، بل هي دعوة لمراجعة الضمير. فالوطن ليس مجرد مكان نولد فيه ثم نغادره وننساه؛ بل هو الجرح الأول والالتزام الأخلاقي الأول. ومن الطبيعي أن يحترم الإنسان الدولة التي يعيش فيها ويعمل فيها، لكن ذلك لا ينبغي أن يطغى على واجبه المعنوي تجاه وطنه الأم.
الأولوية الأولى لأي إنسان حر هي وطنه؛ فهو الأرض التي منحته الهوية والكرامة والانتماء. ومن الطبيعي أن يحترم الإنسان البلد الذي يعمل فيه ويقيم على أرضه، لكن ذلك لا ينبغي أن يتحول إلى تنازل عن واجبه الأخلاقي تجاه وطنه الأم، ولا إلى حماسٍ صاخب للدفاع عن دولة الشر والتي كان دورها واضحاً وضوح الشمس بتدخلها في شؤون بلاده عبر تمويل الجنجويد بالسلاح والمرتزقة والمال بينما يظل صوته خافتاً حين يتعلق الأمر بمعاناة أهله في السودان.
إن الدفاع عن الأوطان لا يكون عبر مقاطع الفيديو ولا عبر خطابات الحماسة على وسائل التواصل، بل عبر موقف واضح يضع الوطن في المرتبة الأولى. فقبل أن يندفع البعض لإعلان الاستعداد للدفاع عن دول أخرى مثل دولة الشر، ينبغي أن يتذكروا أن السودان هو القضية الأولى التي تستحق صوتهم وكرامتهم وموقفهم الصريح.
فالنخوة الحقيقية ليست في المزايدة بالشعارات، بل في الوفاء للأرض التي أنجبتنا، وفي رفض أي انتهاك لسيادتها أو إهانة لشعبها، أيّاً كان مصدر ذلك الانتهاك. فالوطن ليس محطة عابرة في حياة أبنائه، بل هو الأصل الذي لا يجوز أن يُنسى أو يُقدَّم عليه غيره. والسودان اليوم يحتاج إلى مواقف صادقة تعيد ترتيب الأولويات: وطنٌ أولاً، وكرامته قبل كل شيء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى