دولة على فوهة بندقية: حين تُجرَّم المؤسسة ويُتَوَّج التمرّد د.أيمن محجوب عبد الله محمد
دولة على فوهة بندقية: حين تُجرَّم المؤسسة ويُتَوَّج التمرّد د.أيمن محجوب عبد الله محمد

دولة على فوهة بندقية: حين تُجرَّم المؤسسة ويُتَوَّج التمرّد
د.أيمن محجوب عبد الله محمد
ليست هناك خيانةٌ أكبر من أن تُوجِّه سلاح الاتهام إلى صدور جنود وطنك، بينما تُصافح في الخفاء بندقية المليشيا. ليست هناك مفارقة أفدح من أن تصرخ صباح مساء: “لا لحكم العسكر”، ثم تمهّد الطريق لميليشيا لتجلس على عرش “دولة موازية” تُفصّل على مقاسها. أيُّ منطقٍ هذا الذي يرفض المؤسسة الوطنية ويمنح الشرعية لبندقيةٍ بلا دستور؟ وأيُّ تناقضٍ ذاك الذي يجرّم جيش الدولة، ثم يبارك تمرّد السلاح خارجها؟
إنّ تجريم الجيش الوطني بكل السبل، والسعي الحثيث لاتهامه باستخدام أسلحة محرّمة دون بيّنة قاطعة، ليس مجرد موقف سياسي؛ بل هو رهان خطير على كسر العمود الفقري للدولة. فالجيش مهما اختلفنا مع قيادته أو خياراته يبقى مؤسسةً من صميم الكيان الوطني، نشأت من رحم المجتمع، وتحمل على عاتقها حماية الحدود وصون السيادة. أمّا المليشيا فهي نقيض الدولة: ولاؤها لقيادتها، ومرجعيتها لميزان القوة، وسقفها ما تسمح به فوهة البندقية.
كيف يُعقل أن يُرفض “حكم العسكر” باسم المدنية، ثم تُمنح المليشيا صكَّ شرعيةٍ لتقود “كيانًا موازيًا”؟ المدنية ليست شعارًا يُرفع حين يخدم الخطاب، ويُسقط حين تتبدّل المصالح. المدنية مشروع مؤسسات، ودستور، وقضاء، وجيشٍ واحد تحت رايةٍ واحدة. أمّا ازدواجية الدولة، فهي وصفة للفوضى وتقسيم الوطن إلى كانتونات متناحرة.
إن تأسيس دولةٍ موازيةٍ برئاسة مليشيا ليس فعل شجاعةٍ سياسية، بل مقامرة بمصير شعبٍ بأكمله. الدول لا تُبنى بالتحالف مع السلاح المنفلت، ولا تُستعاد الشرعية بتجزئتها. كل “دولةٍ” تولد خارج الإجماع الوطني ومؤسساته الراسخة، تولد مثقلةً بعطبها، محكومةً بأن تستهلك نفسها في صراع الشرعيات. إنها دولةٌ “ولدت ميتة” لأن قلبها ليس دستورًا، بل بندقية.
والأخطر من ذلك، أن هذا المسار يخلط بين النقد المشروع والهدم الشامل. نعم، من حق أي تيارٍ أن ينتقد أداء الجيش، وأن يطالب بالإصلاح والمحاسبة والشفافية. لكن تحويل النقد إلى مشروعٍ لتجريد المؤسسة من وطنيتها، في الوقت الذي تُمنح فيه المليشيا غطاءً سياسيًا، هو انقلابٌ على بوصلة الأخلاق قبل السياسة.
التاريخ علّمنا أن الدول التي سمحت بازدواجية السلاح دفعت ثمنًا باهظًا: تمزّقًا اجتماعيًا، واقتصادًا منهكًا، وسيادةً مستباحة. فالشرعية لا تُستورد من تحالفاتٍ تكتيكية، ولا تُصنع في غرفٍ مغلقة بين سياسيين وبنادق. الشرعية تُبنى من صندوق اقتراعٍ نزيه، ومن مؤسساتٍ موحّدة، ومن جيشٍ واحد يخضع لإرادةٍ دستوريةٍ واضحة.
إن من يضع يده في يد المليشيا، ثم يحدّثنا عن الدولة، كمن يشعل النار في البيت ثم يطالب أهلَه بالتصفيق لدفءٍ مؤقت. ومن يهاجم جيش بلاده ليثبت “طهوريته السياسية”، بينما يمنح الغطاء لمن يحمل السلاح خارج القانون، إنما يمارس ازدواجيةً فاقعة لا تصمد أمام اختبار المنطق.
الوطن ليس ساحةً لتصفية الحسابات الأيديولوجية، ولا مختبرًا لتجارب السلطة. الوطن عقدٌ جامع، وحدوده خطٌ أحمر، وسلاحه واحد. وكل مشروعٍ يُقسّم الشرعية بين جيشٍ ومليشيا، إنما يفتح الباب لدويلاتٍ متناحرة، ويحوّل الخلاف السياسي إلى اقتتالٍ دائم.
في لحظات الأزمات، تُختبر المعادن. فإما أن نختلف داخل سقف الدولة، أو نُسقط السقف فوق رؤوس الجميع. وإما أن نُصلح المؤسسة من الداخل، أو نُسلم رقابنا لسلاحٍ لا يعترف إلا بذاته. أما أن نرفض “حكم العسكر” ونُشرعن حكم المليشيا، فذلك ليس موقفًا مبدئيًا، بل تناقضٌ صارخ، وخنوعٌ مغطّى بشعاراتٍ براقة.
الوطن أكبر من نزوات السياسة، وأبقى من تحالفات اللحظة. ومن أراد دولةً حقيقية، فليبدأ بتوحيد السلاح تحت رايتها، لا بتقسيمها بين راياتٍ متناحرة.




