الغياب الطويل عن الميدان: لماذا؟ د.أيمن محجوب عبد الله محمد
الغياب الطويل عن الميدان: لماذا؟ د.أيمن محجوب عبد الله محمد

الغياب الطويل عن الميدان: لماذا؟
د.أيمن محجوب عبد الله محمد
هناك عدة تفسيرات لاختفاء قائد المليشيا عن الميدان لثلاث سنوات، وظهوره فقط عبر الشاشات:
١. نظرية “الجبان الذي يخاف الموت”:
هذا هو التفسير الأكثر شيوعاً والأقرب للواقع في كثير من الحالات. عندما يؤمن القائد بأنه “لا يُعوَّض” أو أنه محور الكون بالنسبة لميلشياته، فإنه يحرص على بقائه بأي ثمن. الموت في الميدان هو نهاية اللعبة بالنسبة له شخصياً، حتى لو كانت نهاية الآلاف من أتباعه مجرد “خسائر في الأرواح” تُقرأ في بيانات معدّة سلفاً. هذا النوع من القادة ينظر إلى الجنود كأدوات ووقود للحرب، وليسوا بشراً يستحقون أن يكون قائدهم في خندق واحد معهم.
٢. نظرية “قائد الأريكة”:
هناك قادة لا يعتبرون أن مكانهم الطبيعي هو الخنادق، بل غرف العمليات المجهزة بأحدث شاشات العرض والاتصالات. يبررون غيابهم بأن وجودهم في الميدان سيعرضهم للخطر، مما سيحدث فراغاً قيادياً أو يؤدي إلى انهيار الروح المعنوية (إذا قُتلوا). هم يرون أن قيادة المعركة تحتاج إلى “عقل بارد” غير مشتت بأزيز الرصاص ودوي الانفجارات. لكن هذا التبرير ينهار عندما لا يرى المقاتلون البسطاء قائدهم يشاركهم ولو جزءاً بسيطاً من معاناتهم.
٣. نظرية “السلعة الإعلامية”:
ظهوره على الميديا من فترة لأخرى هو غاية وليس وسيلة. هو موجود إعلامياً فقط ليذكّر أتباعه وأنصاره بوجوده، وليبعث برسائل تحدٍ لخصومه. في زمن الحرب الإعلامية الموازية، أصبحت الصورة أهم من الجوهر. ظهوره المقتضب والمتكلف يهدف إلى خلق هالة من الغموض والقوة، لكنه في الحقيقة يكشف هشاشته وخوفه من كسر هذه الهالة إذا نزل إلى الميدان.
التساؤل الشرعي: جبان أم حكيم؟
الحقيقة، كالعادة، تكون في المنطقة الرمادية:
الموت حق والجميع يخافه: الخوف من الموت غريزة إنسانية، ليس عيباً أن يخاف الإنسان. لكن العيب – بل الجبن – هو أن تدفع الآلاف غيرك للموت وأنت تتفرج من بعيد. العيب هو أن تطلب التضحية ممن لا يملكون خياراً بينما أنت تملك كل خيارات الأرض الآمنة.
القيادة ليست انتحاراً: ليس مطلوباً من القائد أن يكون في طليعة الهجوم في كل معركة. مكان القائد الطبيعي هو حيث يمكنه إدارة المعركة واتخاذ القرارات الحاسمة. لكن هناك فرق شاسع بين “غرفة العمليات” التي قد تكون على بعد كيلومترات من الخطوط الأمامية، وبين قصر آمن في دولة أخرى أو فندق فخم بعيد آلاف الأميال.
الغياب لثلاث سنوات هو انفصام: إذا كان غيابه لأسابيع أو أشهر يمكن تبريره بأسباب أمنية أو تكتيكية، فإن غياباً بهذا الطول هو قطيعة كاملة مع الواقع. هذا الغياب يقول للمقاتل في الميدان: “أنت وحدك، أنت مجرد رقم، دمك رخيص بالنسبة لي”. هذه ليست شجاعة ولا حكمة، هذا هو تعريف الترفع والانفصال عن المعاناة الحقيقية.
الخلاصة:
قائد لا تراه في الميدان لثلاث سنوات، ويظهر فقط عبر الشاشات، هو قائد منقطع عن الجرح والألم والدم. قد لا يكون جباناً بالمعنى الحرفي للكلمة، لكنه بالتأكيد قائد فاشل أخلاقياً ومعنوياً. لقد تخلى عن أهم واجبات القيادة: “المشاركة الوجدانية” و”المخاطرة المشتركة”.
غيابه الطويل هو إهانة لكل من حمل السلاح باسمه، وهو اعتراف ضمني بأنه يعتبر نفسه من سلالة مختلفة، سلالة لا تلمسها النيران ولا تشقها الشظايا. وهذا، في النهاية، هو أشد أنواع الجبن: جبن المسؤولية وجبن الوجود.




