بشارة جمعة أرور علاقة الدين بالدولة فخ طغيان العلمانية المتوحشة ومأزق التديين السياسي
بشارة جمعة أرور علاقة الدين بالدولة فخ طغيان العلمانية المتوحشة ومأزق التديين السياسي

بشارة جمعة أرور
علاقة الدين بالدولة
فخ طغيان العلمانية المتوحشة ومأزق التديين السياسي
” يجسّد الدين نبض الروح وجوهر الوجدان ومرساة الضمير، غير أن إشكالية علاقته بالدولة لا تنبع من حضوره الحي في المجتمع، بل من ثنائية مختلقة ومختلة أفرزها التوظيف السياسي للدين من جهة، والإقصاء العدائي له عن المجال العام من جهة أخرى. وهنا تتبدى علاقة الدين بالدولة كأزمة مزدوجة؛ إذ يفضي التديين السياسي إلى تسييس المقدس وتحويله إلى أداة سلطة وصراع، بينما يعمل طغيان العلمانية المتوحشة على تجريد الدولة من بعدها القيمي، ليُترك المجتمع بلا مرجعية روحية جامعة، ولا بوصلة ناظمة للسلوك العام، ولا أي كابح يردع الانفلات المتوحش.”
الدولة الحديثة ليست كياناً عقدياً، بل هي عبارة عن فضاء جامع يُدار فيه التنوع على أساس المواطنة وسيادة حكم القانون، لذلك تظل حماية حرية التدين وصونها أولوية أي حكومة، باعتبار الدين منظومة قيم وضمير حي في وجدان المجتمع.
ويختل الانسجام حين يُستخدم الدين سياسياً كوسيلة للسلطة، أو حين ينزلق طغيان العلمانية المتوحشة إلى تجفيف الحياة العامة من القيم…، مهدداً صرح الوحدة الوطنية وأسس العيش المشترك.
يشكل الدين، في جوهره، مصدر إلهام وقوة روحية وأخلاقية للإنسان، وموجهاً أساسياً لسلوكه الفردي والجماعي. وقد امتزج المجتمع السوداني، عبر تاريخه الطويل، بروح التدين العميق، كما ظل التنوع الديني فيه حقيقة اجتماعية وثقافية راسخة لا يمكن إنكارها أو تجاوزها.
ومن هذا المنطلق، فإن أي مقاربة جادة لبناء الدولة والسلام الاجتماعي لا يمكن أن تتجاهل موقع الدين في الوجدان العام، ولا في معادلة الاستقرار والوحدة الوطنية.
غير أن تمكين الدين من أداء دوره الإيجابي في بناء الفرد والمجتمع، وتعزيز السلم الأهلي، والإسهام الفعّال في البناء القومي، يقتضي فهم طبيعة العلاقة بين الدين والدولة بشكل عميق، بعيداً عن التوظيف السياسي أو الهيمنة على المجتمع.
فالدين في جوهره قيمة أخلاقية وروحية، أما الدولة فوظيفتها إدارة شؤون الناس بالعدل، وحماية الحقوق، وتنظيم الاختلاف في إطار جامع.
وتُعد علاقة الدين بالدولة من القضايا الشائكة، وأكثرها تعقيداً وحساسية، لأنها تمس مباشرة قضايا الهوية، والسلطة، والقيم والمبادئ مثل : ( الحرية، السلام والعدالة…) وقد أفرزت التجارب التاريخية نماذج متعددة لهذه العلاقة، كان من أبرزها نموذج الدولة الدينية “الثيوقراطية”، حيث يُحتكر تفسير الدين وتُضفى القداسة على السلطة السياسية. ويكمن الإشكال الجوهري في هذا النموذج في احتكار الحقيقة، وتقييد التعدد، وتحويل الخلاف السياسي إلى صراع عقدي، وهو ما أثبت فشله في إدارة المجتمعات المتنوعة.
في المقابل، برز نموذج الدولة المدنية ذات المرجعية القيمية، وهي دولة مدنية في مؤسساتها وبُناها الدستورية والقانونية، تقوم على المواطنة وتداول السلطة، ويُعد فيها الدين مصدراً قيمياً وأخلاقياً مُلهماً، لا أداة حكم…. وفي هذا الإطار، يُبنى التشريع على مقاصد العدالة والكرامة والحرية، دون فرض تفسير ديني واحد أو وصاية عقدية على المجتمع…، وهو نموذج يسعى إلى الجمع بين الإيمان والحرية والقيم الدينية والتعدد المجتمعي، دون أن يقع في فخ التديين السياسي أو طغيان العلمنة المتوحشة.
وانطلاقاً من هذه الرؤية، فإن العلاقة الرشيدة بين الدين والدولة في السودان ينبغي أن تقوم على جملة من المرتكزات الأساسية الواضحة في مقدمة ذلك قيام دولة سودانية مدنية ديمقراطية، تُبنى فيها الحقوق والواجبات على أساس المواطنة الكاملة، دون أي تمييز بين المواطنين على أساس الدين أو المعتقد، في جميع المجالات، بما في ذلك تولي أعلى المناصب التنفيذية، والمواقع التشريعية، والسلطة القضائية، وسائر المواقع الرفيعة في الدولة.
كما تقوم التشريعات على الإرادة الحرة للشعب، عبر آليات الديمقراطية المعروفة، بوصفه مصدر الشرعية، لا عبر الفرض أو الإكراه أو الادعاء بتمثيل الإرادة الإلهية. وتُكفل حرية الاعتقاد والدعوة والتبشير بوصفها حقوقاً إنسانية أصيلة، وتلتزم السياسات الرسمية بمساواة الحقوق الدينية لجميع المواطنين دون استثناء. وفي الوقت ذاته، تشجع الدولة روح التدين والتسامح، وتحارب التعصب والتطرف، وتُجرم التحريض على الكراهية والبغضاء والعداوة والفجور في الخصومة باسم الدين.
لذا تُعد الدولة المدنية الديمقراطية العادلة الأكثر اكتمالاً واتزاناً لإدارة التنوع والتعدد بصورة متكاملة تُجيب عن سؤال جوهري ظل يؤرق السودان طويلاً، كيف نُدير مجتمعاً متنوعاً ومتعدداً بلا اختزال أو إقصاء، وكيف نحكم بلا استبداد، ونختلف دون اقتتال…؟
إذاً هذه هي الدولة المدنية الديمقراطية العادلة التي تكون فيها السلطة سياسية منتخبة، والدستور مرجعيتها العليا، والمواطنة أساس الحقوق والواجبات…، ويكون فيها الشعب مصدر الشرعية، ويتحقق فيها التداول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات، والانتخابات الحرة والرقابة والمحاسبة. وهي، قبل ذلك وبعده يكون فيها العدل لا الولاء معيار الحكم، والمساواة أمام القانون بلا تمييز، والتوزيع المنصف للسلطة والثروة، وإنصاف الضحايا وجبر الضرر، واستقلال القضاء، وسيادة حكم القانون…، ويجب أن يحترم الدين وتكفل حريته، دون أن توظفه سياسياً أو تحتكره جماعة أو سلطة، ليظل الدين قيمة أخلاقية جامعة ورافعة للضمير العام، لا أداة صراع، فكلما تحوّل الدين إلى أداة سلطة فسد، وكلما تجردت الدولة من القيم توحشت، ولا سبيل إلى التوازن إلا بتحرير الدين من الاستغلال السياسي، وتحرير الدولة والسلطة من القداسة.
وتتجلى أهمية هذا النموذج بوضوح في الحالة السودانية؛ فالسودان بلد متنوع دينياً، ومتعدد ثقافياً وسياسياً، وقد جُرب فيه حكم العسكر وتديين السياسة، وكانت المحصلة حروباً ممتدة، واستقطابات حادة، وانقسامات عميقة، وتفككاً في بنية الدولة، وتآكلاً في الثقة والوجدان المشترك والروح الوطنية. هذا الواقع يجعل البحث عن صيغة جامعة وعادلة لإدارة الدولة مسألة وجودية مصيرية، لا يحتمل التأخير أو التأجيل.
إن الدولة المدنية الديمقراطية العادلة ليست خيار النخبة السياسية والمثقفة فحسب، بل ضرورة وطنية قصوى؛ فهي تُطوي صفحة الحرب وصراعات الهوية، وتُعيد تعريف الوطن كمساحة شراكة متكافئة بين جميع أبنائه، حيث يتحول التنوع الحيوي إلى مُفجر للطاقات ومصدر قوة حقيقية للبناء والتقدم.
وتلك هي المعادلة التي يحتاجها السودان اليوم: دولة تحترم الدين لأنه يلهم الضمير ويحرر المجتمع من احتكار السلطة، ووطن يجعل فيه المواطنة أساس الحقوق والواجبات الدستورية، وتضع فيه العدالة ميزاناً يوازن نظام الحكم وإدارة السلطات، حيث تُعبد الحرية الطريق نحو سلام مستدام في وطن ودولة جديرة بمحبة شعبها وعظمة وفخر تاريخها.
ويجب أن ندرك أن الدين لا ينفصل عن الدولة، وأن المجتمع ليس خالياً من الدين والتدين والقيم الأساسية ومكارم الأخلاق، فالدين جزء أصيل من بناء الدولة ووعي المواطن والضمير العام.




