اعمدة ورأي

رحلة العذاب: سبع ساعات في جحيم السفارة السودانية بالرياض! قصة فرد هي مرآة لمعاناة جماعية دأيمن محجوب عبد الله محمد

رحلة العذاب: سبع ساعات في جحيم السفارة السودانية بالرياض! قصة فرد هي مرآة لمعاناة جماعية دأيمن محجوب عبد الله محمد

رحلة العذاب: سبع ساعات في جحيم السفارة السودانية بالرياض!
قصة فرد هي مرآة لمعاناة جماعية
دأيمن محجوب عبد الله محمد

من قصة معاناة تصرخ: أين الإنسان؟ أين الكفاءة؟
الوقت: السابعة صباحاً. المكان: السفارة السودانية بالرياض. الهدف: استخراج جواز سفر لطفل رضيع لم يتعدَّ الثلاثة أشهر من عمره. الأوراق: مكتملة ومُنظمة. النتيجة: سبع ساعات من التعذيب النفسي والجسدي في رحلة تفضح فشلاً إدارياً مُزمناً!
مشهد يُجسِّد اللامبالاة:
دخلت السفارة وأنا أحمل طفلي “إياد” بين ذراعي، بريئاً لا يعلم أن والدَه على وشك الدخول في دوامة من العبث المؤسسي. ما إن وطأت قدماي القاعة حتى واجهتني كابوس حقيقي: صفوف بشرية متعرجة، وجوهٌ تعبَة، عيونٌ تنتظر، وقلوبٌ تئن من طول الانتظار.
والمفارقة الصادمة؟ نافذة واحدة فقط لاستخراج الرقم الوطني! موظف واحد يقف وحيداً أمام جحافل المواطنين، يقوم بوحده بأعمال ينبغي أن تؤديها فرقة كاملة: التصوير، إدخال البيانات، المراجعة. ثلاث ساعات ذهبية من عمري ضاعت في هذا الطابور الذي يُشبه طوابير المجاعة!
سؤال يصرخ في وجه المسؤولين: لماذا؟
سؤال بسيط لمن يملكون ضميراً: لو كان هناك ثلاثة موظفين فقط بدلاً من واحد، ألم يكن يمكن اختصار هذه الساعات الثلاث إلى نصف ساعة؟ أين المنطق الإداري؟ أين التخطيط؟ أين الاحترام الأساسي لوقت المواطن؟
ولم تتوقف المهزلة عند هذا الحد! بعد انتهاء كابوس الرقم الوطني، بدأت رحلة جديدة من العذاب: رحلة استخراج الجواز نفسه. نفس المشهد يتكرر: صفوف لا تنتهي، محاسب واحد فقط لآلاف الدافعين، كاميرا تصوير واحدة لعشرات المنتظرين.
حوار مع واقع مُرّ:
عندما تجرأت وسألت الضابط المسؤول في المكتب رقم 11 عن سبب هذا الفشل المتكرر منذ أكثر من عشرة سنوات، كانت الإجابة صادمة!
قال لي: “المشكلة أن أعداد الناس متزايدة”. وكأن الزيادة الديموغرافية ظهرت فجأة ولم يكن بالإمكان التخطيط لها!
ثم زاد الطين بلة بقوله: “عايز نفسك تكون براك في المملكة العربية السعودية؟”
يا له من منطق مقلوب! كأن احترام وقت المواطن وتوفير خدمات كريمة له هي “بركة” خاصة لا تُمنح إلا في دول أخرى! كأن الكفاءة والإنسانية هما امتياز لا نستحقه!
سبع ساعات… وطفل يبكي:
من السابعة صباحاً حتى الثالثة عصراً، وأنا أحمل رضيعاً صغيراً، مررت بين الصالات، من شباك إلى آخر، من طابور إلى طابور. سبع ساعات من عمري ضاعت، وطفلٌ يتألم، ومواطنٌ يتساءل: أين حقوقي؟
السفارات يجب أن تكون بيتاً للمواطن في الغربة، ملاذاً له، سنداً في حاجته. لكن بعض السفارات تتحول إلى ساحات تعذيب يومي، حيث يُهدر كرامة الإنسان، ويُحرق وقته، ويُستباح صبره.
وأنا لست إلا نموذجاً واحداً!
وهنا المفارقة الأكثر إيلاماً: قصتي هذه ليست استثناء! أنا مجرد رقم واحد من بين آلاف المواطنين الذين عانوا نفس المعاناة في ذلك اليوم. كل شخص في تلك الصفوف الطويلة كان يحمل قصة مشابهة، كل عائلة كانت تعاني نفس العذاب، كل طفل كان يبكي من التعب والإرهاق.
رأيت العجائز يتكئون على الجدران من شدة الإعياء، والأمهات تحاول تهدئة أطفالها الجياع المتعبين، والرجال يتصببون عرقاً من حرارة الزحام وطول الانتظار. كل هؤلاء ضحايا لنفس النظام المعطل، نفس الإدارة العاجزة، نفس الثقافة المؤسسية التي تقبل بالهدر اليومي لكرامة ووقت المواطنين.
النداء الأخير:
أوجه كلمتي إلى المسؤولين في السفارة السودانية بالرياض، وإلى وزارة الخارجية في الخرطوم:
يكفي! كفى استهانة بوقت المواطنين!
افتحوا نوافذ متعددة للخدمات!
عينوا كوادر كافية!
نظموا العمل بشكل إلكتروني!
احترموا إنسانيتنا ووقتنا!
فالمواطن ليس رقماً في طابور، ووقته ليس مالاً يُهدر، وكرامته ليست سلعة تُباع وتُشترى.
يوم الخميس 11-12-2022 كان يوماً من أيام العذاب التي لن أنساها. ولكنني أكتب هذه القصة عسى أن تكون شهادة تؤدي إلى تغيير، وشهادة توقظ الضمائر، وتعيد للسفارة رسالتها الإنسانية الحقيقية.
فالمواطن يستحق الأفضل… ويجب أن يحصل عليه!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى