عباس إدريس جعفر يكتب.. العنجهية التي لم تمسّها الحرب
عباس إدريس جعفر يكتب.. العنجهية التي لم تمسّها الحرب

عباس إدريس جعفر يكتب.. العنجهية التي لم تمسّها الحرب
على مدار سنوات طويلة، ظلّت مؤسساتنا الحكومية تتعامل مع المواطنين بعقلية متعالية، وكأنها سلطة فوق المساءلة، لا خدمة عامة وُجدت من أجل الناس. ورغم أن الحرب غيّرت كل شيء في السودان—الخرائط، البنى التحتية، ونبض الحياة اليومية—إلا أنها لم تغيّر شيئًا في ذلك السلوك المتجذّر: العنجهية والغطرسة في التعامل مع المواطن البسيط.
كان من الطبيعي أن تقود الأزمة العاصفة إلى مراجعة شاملة لأساليب العمل الإداري، وأن تذكّر الجميع بأن الدولة بلا مواطن محترم ومسؤول لن تقف على قدميها. كان المنتظر أن تتواضع المؤسسات، أن تُدرك أن الناس يعيشون تحت ضغط الحرب والنزوح والجوع، وأن تسعى لتسهيل الإجراءات بدل تعقيدها. لكن الواقع يقول العكس.
ما زال المواطن يقف بالساعات أمام النوافذ دون أدنى احترام لوقته وكرامته. وما زال الموظف يمارس سلطته الصغيرة كأنها إقطاع خاص، يتعامل بالاستعلاء بدل المسؤولية. وما زالت خدمة الناس تُدار بعقلية قديمة تعتبر أن المواطن هو من يجب أن يتذلل، لا من يجب أن يُخدَم.
لقد كشفت الحرب هشاشة الدولة، لكنها قبل ذلك كشفت هشاشة الضمير الإداري. انهارت المباني، لكن لم تنهَر الممارسات الخاطئة. وما لم تُبنَ مؤسسات الدولة على قيم جديدة—الاحترام، الشفافية، المساءلة، والانضباط—فإن كل عمليات إعادة الإعمار ستظل مجرد ترميم شكلي بلا روح.
المواطن السوداني يستحق دولة تحترمه. دولة تعرف أن وظيفتها ليست إذلاله، بل خدمته. وإذا لم تتغير هذه الذهنية، فستبقى الحرب الأكبر هي حربنا مع سوء الإدارة، لا مع الرصاص وحده.
عباس إدريس جعفر




