اعمدة ورأي

النعمان حبيب الله يكتب.. تنوير.. “سودان الكرامة يخلع ألوان الخذلان ويسقط صمت العروبة”

النعمان حبيب الله يكتب.. تنوير.. "سودان الكرامة يخلع ألوان الخذلان ويسقط صمت العروبة"

النعمان حبيب الله يكتب.. تنوير.. “سودان الكرامة يخلع ألوان الخذلان ويسقط صمت العروبة”

حين طرح البرهان فكرة العودة لعلم الاستقلال، لم يكن يتحدث عن قطعة قماش ولا جدل ألوان، بل كان يفتح جرحاً سياسياً ظلّ مغطى لعقود. كان يعيد سؤال الهوية إلى واجهة النار، ويذكّر الجميع بأن العلم الذي اعتمده نميري في السبعينيات لم يكن اختيار شعب، بل كان انحناءة محسوبة نحو الجامعة العربية، ومحاولة لارتداء ألوان ترضي “الأشقاء” في زمن الاندفاع نحو العروبة. يومها قدّم السودان أكثر مما يجب، وأظهر ولاءً لم يطلبه أحد، ودفع ثمنه لاحقاً بصمت عربي ثقيل كلما احتاج إلى نصرة حقيقية.
لكن حرب الكرامة جاءت لتقلب كل شيء. فالسودان، الذي دعم القضايا العربية بلا حساب، ووقف في الصفوف الأمامية دفاعاً عن منطق الأخوة، وفتح أرضه وجنده وقراره السياسي لمن يحتاجه من العرب، وجد نفسه اليوم وحيداً. وحده يقاتل، وحده ينزف، وحده يدافع عن وجوده بينما الجامعة العربية تتفرج، والدول التي كان يتوقع منها موقفاً شجاعاً اكتفت ببيانات باهتة لا تسمن ولا توقف حرباً. بل إن إحدى الدول العربية نفسها متهمة—وفق تصريحات رسمية سودانية—بالمساهمة في إشعال هذه الحرب وتمويل أحد أطرافها، في سابقة تعلن سقوط مفهوم “الأخوّة” من قاموس السياسة العربية.
وسط هذا الخذلان، يعود الحديث عن علم الاستقلال وكأنه محاولة لاستعادة وطن جرى تمييعه تحت شعارات كبيرة لا تساوي اليوم حبر بياناتها. فالعلم الأصلي الذي رفرف يوم خروج المستعمر لم يكن مجرد رمز، كان قطعة من هوية السودان الحقيقية: لون الأرض الخصيبة، ولون النيل الذي صنع الحياة، ولون الصحراء الممتدة. كان علماً خرج من رحم الجغرافيا والتاريخ، لا من رغبات سياسية عابرة. لذلك فإن العودة إليه اليوم ليست رجوعاً للماضي، بل تقدماً نحو حقيقة أن السودان يحتاج إلى هوية صلبة لا تتأثر برياح الخارج ولا تصنع في الاجتماعات المغلقة.
الجامعة العربية التي غُيّر العلم لإرضائها قبل خمسة عقود لم تحرك ساكناً حين كانت الخرطوم تُقصف، وأم درمان تُحاصر، ودارفور تُحرق للمرة العاشرة. لم تبادر بموقف، لم تضغط، لم تجمع حتى وزراء الخارجية ليحفظوا ما تبقى من هيبة المؤسسة. كان السودان بالنسبة لها خبراً في آخر نشرة، وجرحاً لا يعني أحداً، ومنكوباً لا يحرّك ضميراً. لذلك فإن عودة علم الاستقلال اليوم تحمل في داخلها رسالة سياسية جارحة: لسنا ملزمين بألوان رفعت من أجل منظومة تخلت عنا في ساعة الكرامة.
السودان الذي يقاتل الآن لا يعود للوراء، بل يعيد تعريف موقعه بين الأمم. يعلن أنه لن يكون تابعاً لأحد، وأن الهوية لا تُشترى ولا تُستعار، وأن زمن المجاملات قد انتهى. حرب الكرامة كشفت من يقف معنا ومن يكتفي بالفرجة، ومن يمدّ السلاح ومن يمدّ الصمت، ومن يطالبنا بالولاء بينما يطعن في الظهر.
لذلك، حين يعود علم الاستقلال، فهو لا يأتي كشعار بديل، بل كوثيقة موقف. كأن السودان يقول للعالم: إن كنتم قد تركتمونا وحدنا، فنحن على الأقل لن نرفع علماً صمت حين صمتتم. سنرفع علماً يشبه أرضنا ونيلنا وتاريخنا، علماً لم يُبع ولم يُشترَ، علماً لا يطلب إذناً من أحد. السودان يعود إلى نفسه… وهذا وحده إعلان كرامة جديدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى