النعمان حبيب الله يكتب.. تنوير.. «عشرة رجال… ووطن لا يُهزم»
النعمان حبيب الله يكتب.. تنوير.. «عشرة رجال… ووطن لا يُهزم»

النعمان حبيب الله يكتب.. تنوير.. «عشرة رجال… ووطن لا يُهزم»
لم يكن فوز السودان على لبنان في مباراة التأهل لنهائيات البطولة العربية مجرد مباراة تُكسب أو تُخسر… كان درساً في الصمود، ومشهداً مكثفاً لما يعنيه أن تكون سودانياً في زمنٍ تتراكم فيه المحن فوق المحن. في بلد يعيش التهجير والنزوح، وتخنقه الحرب في أطرافه ومدنه وقراه، خرج أبطالنا أمس ليقولوا للعالم بكل بساطة: لسنا شعباً يُهزم… نحن شعب يُولد من رحم الشدة أقوى.
دخل منتخبنا المباراة وفوق أكتافه ثِقل وطن مجروح، ومع ذلك وقف لاعبونا كأنهم يحملون قلوب الملايين في أقدامهم. تأخروا بهدف، وطُرد أحد لاعبيهم منذ شوط اللعب الأول، فأصبحوا عشرة في مواجهة أحد عشر… لكن العشرة هؤلاء كبروا في عيوننا حتى صار كل واحد منهم يساوي جيشاً.
بدلاً من أن يهتزوا، سحروا الجمهور.
بدلاً من أن يتراجعوا، تقدموا.
بدلاً من أن يستسلموا، أشعلوا الملعب حماساً.
وقد لعبوا ناقصين عدداً، لكنهم كانوا كاملين عزيمة. كانوا مفعمين بروحٍ لا تزدهر إلا لدى شعبٍ عرف القهر جيداً، ولم يسمح له يوماً بالانتصار عليه.
في لحظة من لحظات المباراة، بدا واضحاً أن المنتخب لا يلعب بحثاً عن تأهل، بل يفتش عن شيء أعمق… يلعب عن شعب ينتزع حياته اليومية من بين أنياب الحرب، عن أهل في الخيام لم يفقدوا الابتسامة، عن رجال ونساء يعيدون بناء يومهم كل صباح رغم الخراب، عن وطن ما زال يرفض أن يتنازل عن كرامته.
وحين جاءت “الرومنتادا”، لم تكن مجرد هدف وعودة.
كانت صرخة وطن.
كانت إعلاناً للعالم بأن السودان، حتى وهو منقوص في العدد ومثقل بالجراح، يظل أكثر حضوراً من أي دولة مكتملة الصفوف.
هذا الشعب الذي ينهض كل يوم من تحت الركام، هو ذاته الذي أمس وقف خلف لاعبيه، يصفّق لروحه قبل أقدامهم، ويرى في كل لمسة كرة انعكاساً لمعركته الأكبر: معركة البقاء مرفوع الرأس.
وإذا كان لاعبونا قد سحروا الجمهور بأدائهم، فإن الشعب السوداني نفسه هو السحر الحقيقي… سحر الصبر، وسحر الشموخ، وسحر القوة التي تنبع من الوجع لا من الرفاه.
وفي ختام هذا المشهد…
يبقى السودان كما هو دائماً: شعب لا ينكسر… ووطن لا يُهزم.
ويبقى المنتخب صوتاً لهذا الكبرياء حين يقول:
السودان لا يلعب من أجل بطولة، إنما يلعب من أجل كرامة بلد.




