اعمدة ورأي

عرفه خواجه تكتب..نقطة:بداية ..صحافة الكرامة بين التشخيص المؤلم والتحول الرقمي

عرفه خواجه تكتب..نقطة:بداية ..صحافة الكرامة بين التشخيص المؤلم والتحول الرقمي

عرفه خواجه تكتب..نقطة:بداية ..صحافة الكرامة بين التشخيص المؤلم والتحول الرقمي

رغم الحروب التي قضت على الأخضر واليابس، وقف الصحفيون السودانيون على منضدة التشريح مرة أخرى، ليس ليبكوا جراحهم، بل ليصنعوا من رماد الحرب وثيقة إنقاذ لمهنة تواجه خطر الاندثار.

في مشهد يعكس وعياً ذاتياً نادراً، جمع مركز الفضاء العالمي ، قبل أيام، نخبة من الصحفيين والمسؤولين في ورشة حملت عنواناً معبّراً: “واقع الصحفيين في السودان بين الضغوطات المهنية والالتزام الأخلاقي”. لم تكن مجرد جلسة نقاش عابرة، بل لحظة صادقة وضع فيها العاملون في “صاحبة الجلالة” أصابعهم على الجرح، متحدثين بجرأة وشفافية عن أزمات تهدد مستقبل المهنة في بلد يخوض حرباً وجودية.

وفي خضم ذلك، كان التقدير الرسمي لافتاً. فبينما تخلف الفريق أول ركن شمس الدين كباشي، مساعد القائد العام للقوات المسلحة، عن الحضور لظروف قاهرة، نقل المدير التنفيذي للمركز عادل سنادة التزاماً صريحاً بدعم التوصيات. لكن الأكثر تأثيراً كان حضور والي الخرطوم، الأستاذ أحمد عثمان حمزة، الذي وقف ليؤكد حقيقة غالباً ما تُطمس: أن الصحفيين لم يكونوا مجرد ناقلين للأحداث خلال فترة الحرب، بل كانوا “جزءاً أساسياً من معركة الكرامة”، تنقلوا وسط الدانات والرصاص ليقدموا للعالم صورة مغايرة عن المؤامرة التي حيكت ضد الولاية.

وهنا يبرز السؤال الأهم: إذا كان الإعلام قوة مساندة للدولة وداحضاً لأكاذيب المليشيا، فلماذا يظل واقعه أشبه بالجندي الذي يحارب بسلاح مكسور؟

كشفت مداخلات الصحفيين، وعلى رأسهم الناشر المخضرم محجوب عروة، عن واقع مرير. تحدثوا عن ضغوط اقتصادية خانقة جعلت من العودة إلى الصحافة الورقية حلماً بعيد المنال رغم إلحاح البعض على ضرورة عودتها، وعن نصوص قانونية بالية في القانون الجنائي تمنح السلطة أدوات فضفاضة لإيقاف الصحف تحت ذرائع “الأمن القومي”. لقد نجحت الورشة في تحريك الساكن، لكن التحدي الأكبر، كما يؤكد الجميع، يظل في ترجمة هذه التشخيصات إلى فعل على الأرض.

من هنا، لم تكتف الورشة بالبكاء على الأطلال، بل قدمت حزمة متكاملة من المقترحات التي تلامس جوهر الأزمة. على الصعيد الاقتصادي، طالبت بإعفاء مدخلات الطباعة (الورق والأحبار) من الجمارك، ودعمت فكرة “الصحيفة المزدوجة” التي تجمع بين الورقي والرقمي، إلى جانب إنشاء صندوق لدعم المؤسسات المتعافية.

أما في الجانب القانوني فكان الطموح أكبر، بتوصيات شددت على ضرورة مراجعة نصوص القانون الجنائي لتشمل الإعلام الرقمي، وحذف المصطلحات الفضفاضة، وتوحيد جهات التقاضي، مع ضمان استقلالية المجلس القومي للصحافة والمطبوعات عبر تقليل تبعيته للسلطة التنفيذية.

خروج أول

في المحصلة، خرجت الورشة بحقيقة صارخة: إنقاذ الصحافة السودانية لا يتوقف على طباعتها على ورق، بل على قدرتها على التكيف مع زمن الخوارزميات والذكاء الاصطناعي. وأوصت بتدريب الكوادر على التحقق من التزييف العميق، وإنشاء غرف تدقيق لمواجهة الأخبار الزائفة، مع الحفاظ على العمق المهني.

إن التزام والي الخرطوم بتوفير السكن ووسائل الحركة للصحفيين، ودعوة وزير الثقافة لتوفير بيئة مستقرة، كلها بوادر مشجعة. لكن الجوهر يبقى في تحويل تلك التطمينات إلى سياسات نافذة.

خروج أخير

إن الصحافة السودانية، التي خاضت أشرس معاركها الميدانية إلى جانب الجيش، تستحق اليوم أن تخوض معركتها المؤسسية الأصعب. فإما أن تتحول إلى قطاع حيوي متكيف مع العصر، أو أن تظل أسيرة الماضي، تلفظ أنفاسها بين ضغوط المهنة وقسوة الواقع. الورشة فتحت النافذة، ولكن من سيمد يده ليطلق العنان لهذه الرياح العاتية؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بإثبات ما إذا كانت الأقلام الوطنية ستنتصر مرة أخرى، هذه المرة في معركة البقاء.

ولنا عوده..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى