الصادق إسماعيل علي يكتب..نَكًزة :حين تهتز الأساطير: صواريخ إيران وحقيقة الكيان
الصادق إسماعيل علي يكتب..نَكًزة :حين تهتز الأساطير: صواريخ إيران وحقيقة الكيان

الصادق إسماعيل علي يكتب..نَكًزة :حين تهتز الأساطير: صواريخ إيران وحقيقة الكيان
* في لحظات بعينها يتكشّف كل الزيف، وتسقط الأقنعة، وتتهاوى الأساطير التي بُنيت لردع الوعي لا لردع الأعداء. إسرائيل، الكيان الذي طالما صدّر نفسه كدولة لا تُقهر، دخلت اليوم طورًا جديدًا من المواجهة، ليس مع أعدائها، بل مع وهمها الأكبر: البقاء. ومع صواريخ إيران التي خرقت جدار المبالغة والأسطورة، بدت الحقيقة أكثر سطوعًا من أي وقت مضى.
* اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تدرك إسرائيل أنها سائرة نحو الزوال، طال الزمن أم قصر. العدوان الذي شنّته على إيران، وما قابله من ردّ إيراني مزلزل، لم يفضح فقط عجز إسرائيل عن الدفاع عن نفسها، بل هدم الأسطورة التي طالما روجت لها: أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر” والدولة ذات “الأمن المطلق”.
لكنّ أخطر ما كشفت عنه تلك الصواريخ لم يكن في الأجواء، بل في النفوس. تجلى الخوف، الهلع، والارتباك العميق في قلوب الإسرائيليين، لا سيما أمام احتمال مواجهة مصيرهم كغرباء في أرض لا ينتمون إليها. لم تكن الصفارات وحدها التي دوّت، بل صوت الحقيبة تُحزَم، والتذكرة تُقطَع. فالمغتصِب يعود غالبًا إلى حيث أتى حين تهتز الأسطورة وتُخلخل “شرعية القوة”.
* وقبل إيران، كانت حماس قد فعلت ما هو أبعد من ذلك. في السابع من أكتوبر، فجّرت المقاومة الفلسطينية حدود الجغرافيا، واجتاحت “غلاف غزة”، كاشفةً هشاشة البنية العسكرية الإسرائيلية رغم بساطة الوسائل. صواريخ بدائية الصنع شلّت المدن، واجتياحٌ بأدوات متواضعة هزّ ثقة الكيان بنفسه. وكل جولة مواجهة بعدها لم تكن سوى حلقة جديدة في مسلسل تراجع إسرائيل وتقدّم المقاومة.
* لكن التهديد الحقيقي لما يُسمى “دولة إسرائيل” لا يكمن فقط في الصواريخ، بل في أولئك الأطفال الذين خرجوا من تحت الأنقاض، وتركوا آباءهم وأمهاتهم مدفونين هناك، تحت ركام البيوت. خلال سنوات قليلة، سيكبر هؤلاء، وستقف إسرائيل في مواجهتهم مجددًا، لكنها هذه المرة ستقف أمام أجيال مشحونة بالثأر، مشبعة بالذاكرة، ومؤمنة أن بقاءها مرهون بزوال المحتل. فمن يراهن اليوم على مستقبل إسرائيل؟ وعلى ماذا يراهن؟
* أما دخول الولايات المتحدة على خط المواجهة، فكان تأكيدًا لما يعرفه الجميع ويغض الطرف عنه: أن إسرائيل لا تقاتل وحدها، وأن أمريكا لا تلتزم بالقانون الدولي إلا حين يخدم مصالحها. هذا الاصطفاف العلني أعاد فرز المشهد العالمي، ورسّخ قناعة دولية بأن الهيمنة الأميركية والإسرائيلية باتت مرفوضة، وأن التوازنات في طريقها للتغيير.
* النكسة الأشد وقعًا كانت على العرب، أو على بعض أنظمتهم تحديدًا. أولئك الذين راهنوا على التطبيع، وسارعوا للارتماء في حضن الكيان، بدافع الخوف أو الطمع أو الخيانة، تلقّوا ضربة في عمق مشروعهم. ما كشفته حماس، وكرسته إيران، أن إسرائيل نمر من ورق، لا تبقى إلا بوجود أمريكا خلفها. ولولا ذلك، لانتهت في رمشة عين.
* اليوم، تثبت إيران أنها أصبحت رقمًا صعبًا في معادلة الردع الإقليمي، وأن زمن القطب الواحد قد ولى. لقد أعادت صياغة مشهد المنطقة، وفرضت حقيقة أن زمن الاستفراد الإسرائيلي قد انكسر.
* ما بعد هذه الجولة ليس كما قبلها. إسرائيل، التي عاشت على الخوف، باتت تعيش داخله. والمقاومة، التي وُلدت من تحت الرماد، تتحول إلى مشروع تحرر حقيقي يتقدم بخطى ثابتة. أما الرهان على التطبيع، فقد بات رهانًا خاسرًا سياسيًا وأخلاقيًا. والأهم: إن فكرة زوال الكيان لم تعد نبوءة شاعر أو حماس جمهور، بل أصبحت معادلة منطقية في زمن تتغير فيه الموازين وتتكشف فيه الحقائق.
دمتم سالمين آمنين تامين لآمين



