نوراني محمد عبد الرحمن يكتب.. الليلة غاب تومي
نوراني محمد عبد الرحمن يكتب.. الليلة غاب تومي

نوراني محمد عبد الرحمن يكتب.. الليلة غاب تومي
الغياب والحضور وجهان لإغلاق صفحة وفتح أخرى، والقاسم المشترك بينهما دائمًا: حرارة اللقاء وألم الفراق. وحين يرحل المغني الذي يرسم بصوته وألحانه خارطة الوطن، ويتمدد في براحات المكان كلمةً نافذة إلى عمق المعاني الوطنية، فإننا لا نفقد فنانًا فحسب، بل نفقد وثيقة حية للتنوع الثقافي الذي تزخر به بلادنا.
من شرفة هذا الغياب يطل الراحل الدكتور عبدالقادر سالم؛ لا بوصفه مغنيًا أو فنانًا عابرًا، بل مدرسة كاملة ومشروعًا إبداعيًا متكاملًا. مشروع نجح، بأدواته ولونيته الغنائية، في رسم ملامح السودان المتنوع ثقافيًا، وأدار بذكاء وهدوء – بلا صخب أو ضجيج – معركة الوعي ضد التهميش الثقافي.
قدّم عبدالقادر سالم لونية غير مألوفة على ثقافة الوسط الطاغية، تلك الثقافة التي امتلكت – تاريخيًا – أدوات الانتشار والتواصل عبر مؤسسات الدولة، والتي كرّست، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لمعنى الهيمنة الثقافية واقعًا وممارسة. فجاء عبدالقادر سالم بإيقاعات وموسيقى لم يألفها المركز المسيطر ثقافيًا؛ تمردًا ناعمًا على الواقع الثقافي السائد.
فكانت: اللوري حل بي دلاني في الودي ثم توالت أعماله، وأحدثت انقلابًا ناعمًا في المشهد الفني السوداني، انقلابًا تصدت له ماكينات المركز المهيمن ثقافيًا، دون أن تنجح في إيقاف مدّه. امتدت أعماله قوية، زاخرة بالدهشة ودفء الإيقاعات، وكان قد سبقه في ذات الدرب الفنان إبراهيم موسى أبا، ثم تواصلت المسيرة حتى الأجيال الجديدة، حاملة المشعل نفسه، مع الفنان عمر إحساس، والراحلة شادن محمد حسين.
اليوم، ننعي – منذ الصباح – رحيل أيقونة الغناء في كردفان والسودان، قامة فنية تجاوزت أعمالها حدود الوطن إلى أوروبا والعالم، حتى لُقّب بـ ملك المردوم (King of Mardom). إنه رحيل فاجع لقامة سامقة من قمم الفن السوداني، قامة تضاهي جبل أبوزمام في الدلنج، وطنه الصغير الذي تخرّج فيه معلمًا من كلية المعلمين – الدلنج، أحد روافد التعليم في السودان، التي كانت تغذي معهد بخت الرضا.
غير أنه اختار منصة أخرى غير التعليم لإيصال رسالته إلى العالم، فكان عصاميًا، انتُدب من وزارة التربية والتعليم إلى معهد الموسيقى والمسرح، حتى نال درجة الدكتوراه.
أنعي رحيله للوطن عامة، ولأسرته الصغيرة، ولكل فناني بلادي. اللهم ارحمه رحمة واسعة، واغفر له، واجعل فنه شاهدًا له لا عليه.




