الصادق إسماعيل علي يكتب.. نَكًزة : مؤتة.. دمٌ أشعل مواجهة الإمبراطوريات
الصادق إسماعيل علي يكتب.. نَكًزة : مؤتة.. دمٌ أشعل مواجهة الإمبراطوريات

الصادق إسماعيل علي يكتب.. نَكًزة : مؤتة.. دمٌ أشعل مواجهة الإمبراطوريات
* ما الذي يدفع أمة ناشئة تتلمّس خطواتها الأولى وسط الجزيرة العربية، مثقلة بالتحديات من الداخل والخارج، أن تواجه أعظم إمبراطورية في عصرها؛ الروم، سيدة العالم وملكة زمانها كما هي أمريكا اليوم؟ لم يكن الذهب ولا السلطان، بل كان السبب أقدس من ذلك: حرمة دم المسلم.
* بدأت القصة حين بعث رسول الله ﷺ رسوله الحارث بن عمير الأزدي إلى أحد عُمّال الروم في الشام يدعوه إلى الإسلام سلمًا. لكن الغسّاني المتحالف مع الروم، شرحبيل بن عمرو، قبض على رسول رسول الله وقتله، في سابقة خطيرة لم يُقتل فيها مبعوث للنبي ﷺ من قبل.
فهبّ رسول الله ﷺ لتجهيز جيش من ثلاثة آلاف مقاتل، يواجهون مئتي ألف من جيوش الروم والغساسنة. خرج المسلمون من الجزيرة لأول مرة في معركة خارج حدودها، وهناك في أرض مؤتة – بالأردن الحالية – وقفوا شامخين في وجه قوة هائلة تفوقهم عددًا وعدةً.
*سقط القادة الثلاثة تباعًا: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، لكن الراية لم تسقط؛ حملها خالد بن الوليد رضي الله عنه، وقاد الجيش بمهارة حتى انسحب بالمؤمنين انسحابًا منظّمًا، فلم ينتصر الروم ولم يُهزم المسلمون.
* كانت مؤتة مجرد البداية، فبعد سنوات قليلة فقط بسط المسلمون سلطانهم على الشام وفارس وشمال إفريقيا، وبدأت أسطورة الروم في الأفول حتى اندثرت، وبقي الإسلام ينتشر في أصقاع الأرض.
* أمّا اليوم، فنحن أمام مشهد مقلوب. ثلاثة مليارات مسلم في مشارق الأرض ومغاربها، يُستباح دينهم ودماؤهم وأعراضهم وأموالهم وأراضيهم، يقف في مواجهتهم كيان هزيل لا يتجاوز خمسة ملايين على رأسه نتنياهو، ومن ورائه أمريكا بثلاثمائة مليون نسمة.
* ولم تكن أمريكا اليوم بأقوى شكيمة ولا أعتى عدة من الروم يوم مؤتة، كما لم يكن المسلمون آنذاك بأقل ضعفًا مما نحن فيه الآن. لكن الفارق يكمن في شيء واحد: الإيمان والقيادة. يوم مؤتة كان القادة رسول الله ﷺ وزيد وجعفر وعبد الله، وكان في الجند أمثال خالد والنجوم الزواهر من الصحابة. أما اليوم، فقد غاب ذلك النور، فهانت الأمة على نفسها بهوان قاعدتها، فهانت على اراذل الناس حفدة القردة والخنازير .
* إن معركة مؤتة تذكيرٌ خالد بأن حرمة دم المسلم الواحد والانتصار له امر يقدم عليه المسلمون لإزالة امبراطورية من الوجود مهما يكلفها، وان إستنجاد إمرأة مسلمة واحدة كفيل بتجيش الجيوش. وان قوة المسلمين لا تُقاس بالعدد ولا بالعدة، بل بما في قلوبهم من إيمان، وما على رؤوسهم من قيادة صادقة. فليست المشكلة في ضعفنا أمام عدوّنا، بل في ضعفنا أمام أنفسنا، حتى صرنا أمةً كثيرة العدد قليلة الأثر. واليوم، إذا أردنا استعادة المكانة، فعلينا أن نعود إلى سرّ النصر الأول: الصدق مع الله، ووحدة الصف، وقيادة راشدة تُحيي فينا روح مؤتة من جديد.
دمتم سالمين آمنين تامين لآمين




