محمد طاهر علام يكتب.. التمـاسك الاجتماعي: جدار الحماية الأخير في وجه الفوضى والانقسام
محمد طاهر علام يكتب.. التمـاسك الاجتماعي: جدار الحماية الأخير في وجه الفوضى والانقسام

محمد طاهر علام يكتب.. التمـاسك الاجتماعي: جدار الحماية الأخير في وجه الفوضى والانقسام
ليست المجتمعات في جوهرها جغرافيا أو أبنية، بل هي شبكة من علائق إنسانية متداخلة، تتأسس على الامان والثقة والتعاون والاحترام المتبادل. وحين يُمس هذا النسيج، يتشقق الجدار الذي يحمي الجميع، وتطل من خلاله رياح الفوضى والخصام. وهذا للاسف ما حدث في منطقتنا “الحاج يوسف – الوحدة” عقب تحريرها من قبضة مليشيا الدعم السريع.
فبدل من إستعادة روح التضامن والبناء المشترك، برزت موجة من الاصطفافات، استغلت اللحظة الحرجة لتصفية حسابات قديمة، وتغليف الأحقاد بذرائع زائفة مثل: “التعاون مع المتمردين”. لكن الحقيقة المؤلمة أن اغلب هذه الذرائع لم تكن سوى واجهة للنهب والابتزاز والانتقام، وأن الدافع الخفي هو الغبن والضغائن المستترة.
لقد أدى هذا السلوك إلى شرخ اجتماعي واضح؛ فالعلاقات التي نُسِجَت عبر سنوات من التعايش، والروابط التي تأطرت بالودّ والإلفة، تعرضت لهزة كبيرة. وما لم نواجه هذا الانحراف بروح صادقة، فسوف يتحول الشرخ إلى هاوية تبتلع كل المكتسبات الاجتماعية الممتدة.
وهنا يبرز التماسك الاجتماعي كأعظم ركيزة لإعادة بناء المجتمعات علي قيم فاضلة ومُحدَّثة، وكترياق فعّال لتجاوز المحن وآثارها العميقة والتي قد تنشأ بفعل الغفلة أو الانانية أو غياب الضمير أحياناً.
ولذا يجب ان ننظر الي التماسك الاجتماعي علي انه تلك الإرادة الفاعلة والطموحة التي تسعي لأن تعيد وصل ما انقطع من النسيج المجتمعي، وترمم ما تَهتَّك من روابط ووشائج، وتعمل علي احياء ما بهت أو سقط من القيم الاصيلة لبناء العلائق، مثل: الصدق والحقيقة والوفاء. وليس هنالك ما يبرر شدة الحَنَق، والكراهية، والتَنكٌّر المُريع لعلاقاتٍ شكلتها الإلفة والاخاء والجيرة عبر تاريخ ممتد من التعايش والمحبة.
فهذه الهشاشة التي يمر بها مجتمعنا حالياً وبالبرغم من انها مُقلِقَة بعض الشيء، إلا انها ليست حالة دائمة اذا ما تصدينا لها بصدق، وفعَّلنَا المسؤولية المجتمعية الفردية والجماعية في مواجهتها وتفكيكها، وجعلنا خطاب الإلفة والوحدة هو الخطاب السائد في منابرنا، ومنصاتنا، وجلساتنا، ومناسباتنا، وملتقياتنا، ومياديننا حتي نقطع الطريق علي كل اشكال التربص والاقصاء.
فالأزمات عادة ما تكشف مواطن الخلل، بينما التماسك يحولها الي خارطة طريق للاصلاح، كما قال النبي (ﷺ): “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد اذا اشتكي منه عضو تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمي”
فدعونا نعض علي وحدتنا بالنواجز، ونتشبث بخيار التماسك حتي يتعافى مجتمعنا من جراحه بفعل الحرب وآثارها الوخيمة، وان نعيد الي النفوس الثقة والطمأنينة، ونغرسها بالقيم المتينة كجذور لا تهزها النوازل والازمات.
ما نواجهه اليوم يعد اختبار حقيقي لصلابة نسيجنا المجتمعي، وامتحان لقيمنا في زمن الشدة. فاذا كانت الحرب قد كشفت بعض هشاشتنا، لازال في أيدينا ما يعيد البناء ويضمد الجراح: الإرادة الصادقة، والتماسك الاجتماعي، والوفاء لقيم الجيرة والرحم والإخاء.
فلنجعل من التماسك مشروعنا الجماعي، ومن الإلفة والصدق والاحترام المتبادل درعنا المتين، حتى نحول جراح الأمس إلى جسور للمستقبل، ونثبت أن مجتمعنا أقوى من كل محاولات التمزق والانهيار، وأنه قادر على النهوض من بين الركام، أكثر صلابة، وأكثر إنسانية.




