مقالات

ليلة المولد النبوي الشريف: حين تتفتح القلوب بنور الحبيب المصطفى د.أيمن محجوب عبد الله محمد

ليلة المولد النبوي الشريف: حين تتفتح القلوب بنور الحبيب المصطفى د.أيمن محجوب عبد الله محمد

ليلة المولد النبوي الشريف: حين تتفتح القلوب بنور الحبيب المصطفى
د.أيمن محجوب عبد الله محمد
في كل عام، تطل علينا ذكرى ميلاد خير البشر، محمد بن عبد الله ﷺ، كفجرٍ يتنفس نوراً بعد ليلٍ طويل، وكربيعٍ يكسو الأرواح قبل أن يكسو الأرض. هي ليلةٌ ليست ككل الليالي، إذ تتفتح فيها القلوب قبل الأزهار، وتتهامس فيها الأرواح بمدائح العاشقين وصلوات العابدين، وتعلو فيها الأصوات منشدين: صلِّ يا رب على المدثر، وتجاوز عن ذنوبي، واغفر، وأعني يا إلهي بمتابٍ أكبر.
في مولده تتجدد معاني الإنسانية، وتذوب المسافات بين الفقراء والأغنياء، وبين الأحياء الذين ضلوا السبيل والذين اهتدوا بهديه. يخرج الناس في ليالي المولد كما صورها الشاعر الكبير محمد المهدي المجذوب، ألوانهم واحدة وإن اختلفت أثوابهم، قلوبهم مشدودة نحو النور الذي أسرج في غار حراء، فجعل من الليل ضياء، ومن الجهل علماً، ومن الفقر غنىً.
يصف المجذوب في أبياته مشاهد المولد بصدقٍ عاطفي عجيب، حيث تختلط أصوات الطبول بالتهليل، وتتمايل الأرواح كما تتمايل الأجساد، وتتقد الحلقات ذكراً ومدحاً، وتدور الأعين في نشوة روحانية، كأنها تلامس أطراف الكوثر. هناك شيخٌ يذكر، وحلقةٌ تتمايل، وأطفالٌ يطوفون حول الحلوى كأنهم نجوم تتلألأ، وفتيات في عمر الزهور يزينّ المشهد حشمةً وفتنةً بريئة، وأصوات المنشدين تخرق ليل القرى والمدن: صلِّ يا رب على خير البشر، الذي أسرج في ليل حراء قمراً أزهر من بدر السماء.
لم يكن المولد يوماً طعاماً وحلويات وزينة فحسب، بل كان ولا يزال ميداناً للروح، وسوقاً للذكر، ومنارةً تذكرنا بأن الفقير قد أصبح غنياً برسالته، واليتيم صار أمّة، والأرض التي كانت حرباً صارت سلاماً. في تلك الليلة، تلتقي القلوب على كلمة سواء، وتتناسى الدنيا ما حملته من أحقاد، ويعود الناس، ولو لساعات، أطفالاً يلهون بفرح الميلاد، كما وصفهم المجذوب: ونساق أنفس شتى وبطء واستباق… وردوا المولد بالشوق وعادوا بالغبار.
إن ميلاد الرسول ليس ذكرى تاريخية عابرة، بل هو لحظةٌ مستمرة تعيد تشكيل وعي الأمة كل عام، تذكّرها بأن الهدى ليس ماضياً، بل نوراً يتجدد. في حضرته يُسأل القلب: هل عدت إلى طريقه؟ هل أعدت بناء نفسك كما أراد لك أن تكون؟ أم ضاع زمانك في لهو الدنيا وضوضائها؟
وفي نهاية الليلة، حين تخفت الطبول ويهدأ صخب الأسواق، يبقى الأثر في الأرواح: دفءٌ في القلب، ودمعةٌ في العين، وهمسة دعاءٍ تخرج من أعماق النفس: ربِّ في موطني المسلم قد عدنا إليك، ما اعتمدنا ربنا إلا عليك، وذكرنا الهادي المختار ذكراً ملأ الأرواح طهراً وصبراً. صلِّ يارب عليه، وتجاوز عن ذنوبي واغفر، وأعني بمتاب أكبر.
هكذا، يظل مولد النبي ﷺ موسماً للروح قبل أن يكون موسمًا للاحتفال، يُعيدنا إلى المعنى الأعمق للوجود: الرحمة، والسلام، والصدق، والنور الذي لا ينطفئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى