مشروعات ما بعد الحرب في السودان.. هل نبني القدرة أم نُدير الاحتياج؟ “من الإغاثة إلى التعافي: قراءة نقدية في تحديات المشروعات الإنسانية والتنموية وإعادة بناء الإنسان والمؤسسة والمجتمع” إعداد: د. مرتضى عبدالحي محمد أحمد باحث ومهتم بقضايا العمل التطوعي والإنساني سبتمبر ٢٠٢٦م
مشروعات ما بعد الحرب في السودان.. هل نبني القدرة أم نُدير الاحتياج؟ "من الإغاثة إلى التعافي: قراءة نقدية في تحديات المشروعات الإنسانية والتنموية وإعادة بناء الإنسان والمؤسسة والمجتمع" إعداد: د. مرتضى عبدالحي محمد أحمد باحث ومهتم بقضايا العمل التطوعي والإنساني سبتمبر ٢٠٢٦م

مشروعات ما بعد الحرب في السودان.. هل نبني القدرة أم نُدير الاحتياج؟
“من الإغاثة إلى التعافي: قراءة نقدية في تحديات المشروعات الإنسانية والتنموية وإعادة بناء الإنسان والمؤسسة والمجتمع”
إعداد:
د. مرتضى عبدالحي محمد أحمد
باحث ومهتم بقضايا العمل التطوعي والإنساني
سبتمبر ٢٠٢٦م
ملخص
لم تُخلِّف الحرب في السودان خسائر بشرية ومادية هائلة فحسب وإنما أوجدت واقعًا جديدًا أعاد تشكيل احتياجات المجتمع وأضعف مؤسسات الدولة والمجتمع المدني وأربك الأسواق وسبل العيش وأدى إلى نزوح واسع وتشتت المجتمعات والكوادر والخبرات.
وفي هذا الواقع لم يعد كافيًا أن تستمر المشروعات الإنسانية والتنموية بالمنهج نفسه الذي صُممت به الاستجابات الطارئة.
فالسؤال اليوم ليس فقط: كم من الموارد يمكن توفيرها؟ وإنما: كيف يمكن تحويل الموارد المحدودة إلى قدرة محلية وخدمات مستدامة ومؤسسات أكثر كفاءة ومجتمعات أكثر صمودًا واقتصاد قادر على استعادة دورة الإنتاج؟
فالتحدي لا يتمثل في التمويل وحده رغم أهميته وإنما في البيئة الأمنية والمؤسسية وجودة التخطيط ودقة البيانات وعدالة توزيع التدخلات والتنسيق بين الفاعلين والتوطين الحقيقي والحوكمة والمساءلة وربط الإغاثة بالتعافي والتنمية وسبل العيش.
ومن هنا يبرز السؤال المركزي الذي ينبغي أن يحكم مرحلة ما بعد الحرب:
هل نبني القدرة أم نكتفي بإدارة الاحتياج؟
مقدمة: السودان لا يحتاج إلى مشروع آخر فقط
في أوقات الأزمات يبدو المشروع الإنساني وكأنه الحل الطبيعي لكل مشكلة: مشروع للغذاء وآخر للمياه وثالث للصحة ورابع للتعليم وخامس للحماية ثم تبدأ دورة جديدة من المشروعات.
لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بجرأة أكبر هو:
ماذا يحدث عندما ينتهي المشروع؟
هل تبقى الخدمة؟
هل تستمر المؤسسة؟
هل يستطيع المجتمع إدارة ما تم إنشاؤه؟
هل استعادت الأسرة قدرتها على إعالة نفسها؟
وهل تغيرت المشكلة التي جاء المشروع لمعالجتها أم أننا اكتفينا بإدارة آثارها؟
هذه الأسئلة أصبحت أكثر إلحاحًا في السودان بعد الحرب؛ لأن البلاد لم تعد تواجه أزمة إنسانية منفردة وإنما أزمة مركبة تجمع بين الاحتياج الإنساني والتدهور الاقتصادي وتراجع الخدمات وضعف المؤسسات والنزوح والعودة، وتضرر البنية التحتية وتراجع فرص العمل وتفكك بعض شبكات الإنتاج والخدمات.
ولذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تغيير في فلسفة المشروعات نفسها.
فالسودان لا يحتاج فقط إلى مشروعات تنفق الموارد على الاحتياج وإنما إلى مشروعات تستثمر الموارد في بناء القدرة على تجاوز الاحتياج.
وهذا لا يعني التقليل من أهمية الإغاثة ولا الدعوة إلى إيقاف المساعدات؛ فالمساعدة تظل ضرورة عندما تكون حياة الإنسان وكرامته مهددتين.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الطوارئ إلى نمط دائم ويصبح المشروع غاية في ذاته بدل أن يكون وسيلة للوصول إلى التعافي.
أولاً: من الطوارئ إلى التعافي.. الانتقال الذي لم يعد يحتمل التأجيل
للطوارئ منطقها وأدواتها وللتعافي منطق وأدوات مختلفة.
في الطوارئ يكون الهدف الأساسي إنقاذ الحياة وتقليل المعاناة وتوفير الحد الأدنى من الخدمات.
أما في التعافي فإن السؤال يصبح:
كيف نعيد للإنسان القدرة على إدارة حياته؟
وهنا تكمن أهمية الانتقال التدريجي من المساعدات المباشرة إلى استعادة سبل العيش ومن توفير الخدمة إلى إعادة بناء النظام الذي ينتج الخدمة ومن مساعدة الأسرة على تجاوز الأزمة إلى تمكينها من استعادة دخلها وقدرتها على الاعتماد على نفسها.
فالأسرة التي نزحت من الفاشر أو غيرها من مناطق دارفور نموذجًا لا تحتاج إلى الغذاء والمأوى والرعاية الصحية فقط وإنما تحتاج أيضًا إلى الأمان والتعليم والدخل والحماية واستعادة الروابط الاجتماعية وربما إلى مسار للعودة الطوعية الآمنة والكريمة أو الاندماج في المكان الذي استقرت فيه.
والتعامل مع النازحين باعتبارهم مجرد أرقام في قوائم المستفيدين يختزل إنسانيتهم ويضعف فرص التعافي.
النازح ليس ملفًا إغاثيًا؛ إنه إنسان فقد مكانه وموارده واستقراره ويجب أن يكون شريكًا في القرار المتعلق بمستقبله.
ثانيًا: التحدي المؤسسي.. من سينفذ السودان ؟
إعادة بناء السودان لن تنجح إذا ركزنا على إعادة تشييد المباني وتركنا المؤسسات التي ستديرها ضعيفة.
فالمستشفى يحتاج إلى مؤسسة قادرة على تشغيله والمدرسة تحتاج إلى نظام تعليمي ومشروع المياه يحتاج إلى جهة تحافظ عليه والمركز المجتمعي يحتاج إلى إدارة والمشروع الاقتصادي يحتاج إلى سوق والنظام الصحي يحتاج إلى كوادر وموارد وإدارة.
ومن هنا فإن إعادة بناء المؤسسات يجب أن تكون جزءًا أصيلًا من إعادة الإعمار.
الحرب لم تدمر البنية المادية فقط بل أضعفت كذلك الذاكرة المؤسسية وأخرجت كوادر وخبرات من مواقعها وشتتت العاملين وأربكت الأنظمة الإدارية والمالية وأثرت في قدرة مؤسسات كثيرة على التخطيط والمتابعة واتخاذ القرار.
ولذلك فإن أي استراتيجية جادة للمشروعات بعد الحرب يجب أن تتضمن استثمارًا حقيقيًا في الإنسان والمؤسسة معًا.
فالمنظمة الوطنية التي لا تمتلك نظامًا ماليًا واضحًا وسياسات إدارية وآليات للرقابة وقدرة على المتابعة والتقييم ونظمًا لحماية المستفيدين والبيانات ستظل محدودة القدرة مهما كانت نوايا العاملين فيها.
حسن النية بداية العمل الإنساني لكنه ليس بديلًا عن الكفاءة.
ثالثًا: التوطين.. هل أصبحت المنظمات الوطنية شريكًا حقيقيًا؟
من أكثر القضايا التي يجب أن تُطرح بجدية في مرحلة ما بعد الحرب قضية توطين العمل الإنساني والتنموي.
التوطين لا يعني فقط أن تنفذ منظمة وطنية مشروعًا صُمم في مكان آخر أو أن تتولى توزيع المساعدات نيابة عن شريك دولي.
التوطين الحقيقي يعني أن تكون المؤسسات الوطنية والمجتمعات المحلية جزءًا من تحديد الأولويات وتصميم التدخلات وإدارة الموارد وصناعة القرار وإنتاج المعرفة وقياس الأثر.
فالمنظمة الوطنية ليست مجرد قناة للوصول إلى المستفيدين.
إنها تمتلك معرفة بالسياق وعلاقات بالمجتمع وقدرة على فهم التفاصيل المحلية التي قد لا تظهر في التقارير.
ولهذا فإن مرحلة ما بعد الحرب يجب أن تكون فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين المؤسسات الوطنية والدولية من علاقة منفذ وممول إلى علاقة شراكة متكافئة في المسؤولية والمعرفة والقرار.
وفي الوقت نفسه فإن التوطين الحقيقي يفرض مسؤولية على المنظمات الوطنية نفسها؛ إذ لا يمكن المطالبة بالشراكة المتكافئة دون بناء مؤسسات شفافة ومهنية قادرة على إدارة الموارد وإثبات النتائج وتحمل المسؤولية.
رابعًا: البيانات.. عندما تصبح القرارات بلا معلومات كافية
من الصعب بناء مشروع جيد على معلومات قديمة أو تقديرات غير دقيقة.
الحرب غيرت الخرائط السكانية والاقتصادية والخدمية في السودان.
هناك مناطق نزح منها السكان وأخرى استقبلتهم ومناطق بدأت فيها العودة وأخرى ما زالت تعاني من انعدام الخدمات أو صعوبة الوصول.
لذلك يحتاج السودان إلى بناء قاعدة معلومات حديثة حول السكان والاحتياجات والخدمات والبنية التحتية والأسواق وسبل العيش والموارد المحلية.
فغياب البيانات قد يؤدي إلى توجيه مشروع جيد إلى المكان الخطأ أو تكرار تدخل موجود أصلًا أو إغفال منطقة أكثر احتياجًا.
وهنا تصبح التكنولوجيا أداة مهمة بما في ذلك نظم المعلومات الجغرافية والمنصات الرقمية والتحليل المكاني والذكاء الاصطناعي مع ضرورة احترام حماية البيانات وخصوصية المستفيدين.
المشروع الذي لا يعرف أين المشكلة ومن المتضرر وما الذي تغير لن يستطيع أن يحدد بدقة أين يجب أن يذهب المال والجهد.
خامسًا: عدالة توزيع المشروعات.. هل تذهب الموارد إلى الأكثر احتياجًا؟
من القضايا التي تستحق نقاشًا أكثر صراحة مسألة توزيع المشروعات جغرافيًا واجتماعيًا.
ليس بالضرورة أن تكون المنطقة الأكثر سهولة في الوصول هي المنطقة الأكثر احتياجًا.
وقد تميل بعض الجهات لأسباب أمنية أو لوجستية أو تشغيلية إلى التركيز في مناطق يمكن الوصول إليها بسهولة بينما تبقى مناطق أخرى ذات احتياج مرتفع أقل حظًا من التدخلات.
كما أن كثافة المنظمات في منطقة معينة قد تنتج تكرارًا للمشروعات بينما تعاني منطقة أخرى من نقص شديد في الخدمات.
وهذا لا يعني اتهام الجهات العاملة بسوء النية وإنما يعني أن العدالة الجغرافية يجب أن تصبح جزءًا من التخطيط نفسه.
فالمعيار ينبغي أن يكون مزيجًا من مستوى الاحتياج والهشاشة وحجم الضرر وإمكانية الوصول والقدرة المحلية والأثر المتوقع.
سادسًا: التحدي الأمني والجغرافي.. المشروع لا يعمل في الفراغ
حتى أفضل مشروع تصميمًا يمكن أن يفشل إذا تجاهل البيئة الأمنية والجغرافية.
الوصول الإنساني وسلامة العاملين وحركة السلع والطرق والاتصالات وحماية الأصول وإمكانية المتابعة الميدانية كلها عوامل تؤثر مباشرة في التنفيذ.
والسودان بلد واسع وقد جعلت الحرب الوصول إلى بعض المناطق أكثر تعقيدًا كما أثرت في شبكات النقل والاتصال والخدمات.
ولهذا تحتاج المشروعات إلى قدر أكبر من المرونة والتخطيط بالسيناريوهات والاستفادة من الشركاء المحليين وتطوير أدوات المتابعة عن بُعد عندما يتعذر الوصول الميداني.
لكن المرونة لا ينبغي أن تعني إضعاف الرقابة.
كلما زادت صعوبة البيئة ازدادت الحاجة إلى الحوكمة لا العكس.
سابعًا: تسييس العمل الإنساني.. خط أحمر يجب ألا يُطمس
العمل الإنساني يحتاج إلى مساحة من الاستقلال والحياد وعدم التمييز لأن الإنسان المتضرر من الحرب يجب أن يحصل على المساعدة بسبب حاجته لا بسبب انتمائه أو موقفه أو المنطقة التي جاء منها.
وفي البيئة السودانية شديدة الاستقطاب يصبح الفصل بين العمل الإنساني والمنافسة السياسية والعسكرية أكثر أهمية.
فإذا أصبحت الأولويات الإنسانية خاضعة للنفوذ السياسي أو تحولت المنظمات إلى أدوات للاستقطاب أو أصبح الحصول على المساعدة مرتبطًا بالانتماء فإن ذلك لا يضر فقط بمبادئ العمل الإنساني بل يضر بثقة المجتمع في المنظمات نفسها.
وفي المقابل فإن الحديث عن حياد العمل الإنساني لا يعني الصمت عن الانتهاكات أو التخلي عن حقوق الإنسان.
المطلوب هو التمييز بين الانحياز للإنسان وحقوقه وبين التحول إلى طرف سياسي في الصراع.
فالمنظمة تستطيع أن تدافع عن كرامة الإنسان دون أن تصبح جزءًا من الصراع على السلطة.
ثامنًا: الشراكات.. السودان لا يحتاج إلى مزيد من الجزر المنفصلة
السودان يمتلك الحكومة والمنظمات الوطنية والمنظمات الدولية والقطاع الخاص والجامعات والمبادرات المجتمعية والمانحين وشبكات المتطوعين.
لكن كثرة الفاعلين لا تعني بالضرورة جودة التنسيق.
وقد يؤدي ضعف التنسيق إلى تكرار المشروعات وتعدد قواعد البيانات وتضارب الأولويات واستنزاف الموارد وترك فجوات في مناطق أخرى.
المطلوب هو الانتقال من مفهوم “مشروعي” إلى مفهوم “الأثر المشترك”.
فالمشروع الصحي يمكن أن يحتاج إلى شريك في المياه والمشروع التعليمي يحتاج إلى شريك في الحماية والتغذية ومشروع سبل العيش يحتاج إلى القطاع الخاص والأسواق ومشروع العودة يحتاج إلى خدمات وبنية تحتية وأمن ومجتمع محلي.
الشراكة ليست أن يمول طرف وينفذ طرف آخر ثم يكتب كل طرف تقريره.
الشراكة الحقيقية هي أن نحدد المشكلة معًا ونصمم الحل معًا ونتقاسم المسؤولية ونتبادل المعرفة ونحاسب أنفسنا على النتيجة.
تاسعًا: المجتمع ليس متلقيًا للمشروع
من أهم الدروس التي أفرزتها الحرب أن المجتمعات السودانية لم تنتظر دائمًا المؤسسات الكبيرة.
ظهرت غرف الطوارئ والتكايا والمطابخ المجتمعية وشبكات المتطوعين والمبادرات المحلية واستطاعت في ظروف قاسية أن تقدم خدمات أساسية وتسند الأسر المتضررة.
هذه التجربة لا ينبغي أن تُعامل باعتبارها ظاهرة مؤقتة.
بل يجب أن تكون جزءًا من التفكير في نموذج جديد للعمل الإنساني والتنموي يقوم على الملكية المجتمعية والمشاركة المحلية.
فالمجتمع يعرف تفاصيل احتياجاته ويمتلك موارد وخبرات وعلاقات يمكن البناء عليها.
وإذا صُمم المشروع من خارج المجتمع ونُفذ دون مشاركته ولم يمتلك المجتمع القدرة على إدارته فمن الطبيعي أن تكون استدامته محدودة.
المجتمع ليس مستفيدًا من المشروع فقط؛ إنه أحد أهم أصول المشروع.
عاشرًا: خطر تحويل الاحتياج إلى سوق دائم للمشروعات
هذه قضية حساسة لكنها تستحق أن تُقال بوضوح.
عندما يستمر الاحتياج سنوات طويلة يمكن أن تتشكل منظومة كاملة من المشروعات والوظائف والتقارير والأنشطة حول هذا الاحتياج.
وهنا يجب أن نسأل سؤالًا أخلاقيًا ومهنيًا:
هل يقاس نجاح المشروع بحجم النشاط الذي ينفذه أم بانخفاض الحاجة التي جاء لمعالجتها؟
ليس المقصود التشكيك في نوايا العاملين أو المانحين وإنما التنبيه إلى أن استمرار الأزمة يجب ألا يصبح هدفًا غير معلن لاستمرار المشروع.
فالغاية النهائية للعمل الإنساني ليست أن يبقى المستفيد محتاجًا إلى المشروع وإنما أن يصبح أقل احتياجًا إليه.
الإنسان هو الغاية وليس استمرار المشروع.
الحادي عشر: من المساعدات إلى سبل العيش
لا يمكن للسودان أن يبني مستقبله على المساعدات وحدها.
المساعدات ضرورية لإنقاذ الحياة لكنها لا تستطيع أن تكون استراتيجية اقتصادية دائمة.
السودان يمتلك موارد بشرية وطبيعية وإمكانات زراعية وحيوانية وتجارية كبيرة ولذلك ينبغي أن تتحول المشروعات تدريجيًا من مجرد توزيع الموارد إلى إعادة بناء القدرة على إنتاجها.
وهنا يمكن الاستثمار في الزراعة والثروة الحيوانية والصناعات الصغيرة والحرف والخدمات والمشروعات الصغيرة والمتوسطة ومشروعات النساء والشباب.
والسؤال يجب أن يتغير من:
كم أسرة تلقت المساعدة؟
إلى:
كم أسرة استعادت قدرتها على إنتاج دخل مستدام؟
الثاني عشر: الاستدامة.. ماذا يحدث عندما ينتهي التمويل؟
كثير من المشروعات تتحدث عن الاستدامة في مقترحاتها لكنها لا تجيب بوضوح عن السؤال:
من سيدفع تكلفة استمرار المشروع بعد انتهاء المنحة؟
من سيدير المنشأة؟
من سيصون المعدات؟
من سيشتري قطع الغيار؟
من سيواصل التدريب؟
من سيتحمل تكلفة التشغيل؟
إذا لم تكن الإجابات واضحة منذ البداية فإن الاستدامة تصبح مجرد فقرة إنشائية.
ولهذا يجب أن يُصمم المشروع منذ يومه الأول على أساس ما بعد المشروع.
المشروع الذي لا يعرف كيف ينتهي قد يتحول من وسيلة للتعافي إلى حالة من الاعتماد.
الثالث عشر: هجرة الكفاءات.. إعادة الإعمار تبدأ بالإنسان
لا يمكن إعادة بناء المؤسسات دون إعادة بناء رأس المال البشري.
الحرب دفعت أعدادًا كبيرة من المهنيين وأصحاب الخبرات إلى النزوح واللجوء والهجرة وفقدت مؤسسات كثيرة جزءًا من كوادرها إضافةألى قرار وزير المالية بتقليص عدد العاملين بجهاز الحكومة.
وهذا يعني أن إعادة الإعمار لا تحتاج فقط إلى أموال ومبانٍ ومعدات وإنما تحتاج إلى استراتيجية لاستعادة المعرفة والخبرات وتطوير الكفاءات الجديدة وإشراك الشباب والاستفادة من السودانيين في الخارج وربط الخبرات المحلية بالموارد المتاحة.
فالمنشأة الحديثة التي لا تجد من يديرها بكفاءة ليست إنجازًا مكتملًا.
إعادة بناء السودان تبدأ بإعادة بناء الإنسان الذي سيبني السودان.
الرابع عشر: الحوكمة والفساد.. لا اتهامات بلا دليل ولا رقابة بلا أسنان
بيئة الحرب والأزمات ترفع مخاطر الهدر وتضارب المصالح وضعف المشتريات وسوء استخدام الموارد.
ومن الموضوعية أن نعترف بهذه المخاطر دون إطلاق اتهامات جزافية على مؤسسات أو أشخاص.
الحل ليس في الشك المطلق كما أنه ليس في الثقة المطلقة.
الحل في أنظمة واضحة للرقابة والمراجعة والإفصاح والمشتريات وتضارب المصالح وحماية المبلغين وآليات الشكاوى والتدقيق المستقل وقياس النتائج.
فكل جنيه أو دولار يُنفق في مشروع إنساني هو في الأصل مورد مخصص لإنسان يحتاج إليه.
ولذلك فإن المساءلة ليست إجراءً إداريًا؛ إنها جزء من أخلاقيات العمل الإنساني.
الخامس عشر: السرعة أم الجودة؟.. معادلة لا يمكن تجاهلها
في الطوارئ نحتاج إلى السرعة.
لكن السرعة المستمرة قد تنتج مشروعات ضعيفة التخطيط.
وفي التنمية نحتاج إلى التخطيط طويل المدى.
لكن التخطيط الطويل لا يمكن أن يكون مبررًا لتأخير خدمة يحتاجها إنسان اليوم.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي هو تحقيق التوازن بين سرعة الاستجابة وجودة التصميم واستدامة النتيجة.
فليس كل مشروع سريع مشروعًا جيدًا وليس كل مشروع طويل التخطيط مشروعًا ناجحًا.
المطلوب هو أن تكون سرعة الاستجابة جزءًا من نظام أكثر ذكاءً بحيث لا تمنع الطوارئ التفكير في اليوم التالي.
السادس عشر: معيار النجاح.. من عدد الأنشطة إلى حجم التغيير
ربما حان الوقت لإعادة النظر في الطريقة التي نقيس بها نجاح المشروعات.
ليس النجاح أن نقول:
تم توزيع عشرة آلاف سلة.
تم تدريب خمسمائة شاب.
تم تنفيذ عشرين ورشة.
هذه مؤشرات للنشاط لكنها لا تكفي وحدها لقياس الأثر.
المعيار الحقيقي هو:
هل تحسنت حياة الناس؟
هل استعادت الأسر مصادر دخلها؟
هل عادت المدارس للعمل بصورة مستدامة؟
هل تحسنت الخدمات الصحية؟
هل أصبحت المؤسسات المحلية أكثر كفاءة؟
هل انخفض الاعتماد على المساعدات؟
هل أصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة الصدمات؟
نحن بحاجة إلى الانتقال من إدارة النشاط إلى إدارة الأثر.
السابع عشر: المشكلة ليست دائمًا في المشروع.. أحيانًا المشكلة في النظام الذي ينتج المشروع
قد يكون المشروع جيدًا والمنظمة جادة والمانح ملتزمًا ومع ذلك تكون النتيجة أقل من المتوقع.
لماذا؟
لأن المشروع لا يعمل في فراغ.
هناك نظام كامل يؤثر فيه: تشخيص المشكلة والبيانات واللوائح والبيئة الأمنية والقدرات المؤسسية وسوق العمل والبنية التحتية والتنسيق والثقافة المجتمعية والتمويل وآليات الرقابة.
ولهذا فإن إصلاح المشروعات وحدها لن يكون كافيًا.
نحن بحاجة إلى إصلاح البيئة التي تنتج المشروعات وتديرها وتقيس نجاحها.
وهنا يجب أن تتحمل جميع الأطراف مسؤولياتها:
الدولة في توفير البيئة التنظيمية والخدمات الأساسية وحماية المجال المدني.
المنظمات الوطنية في رفع المهنية والشفافية والقدرات.
المنظمات الدولية والمانحون في دعم التوطين الحقيقي ونقل المعرفة والمرونة في التمويل.
القطاع الخاص في الاستثمار في التعافي والإنتاج وفرص العمل.
والمجتمعات في المشاركة والرقابة وحماية ملكيتها للمشروعات.
والجامعات ومراكز البحث في إنتاج المعرفة والبيانات والأدلة.
الثامن عشر: نحو نموذج سوداني جديد للمشروعات
السودان لا يحتاج إلى استنساخ نموذج جاهز من الخارج كما لا يحتاج إلى رفض الخبرة الدولية.
المطلوب هو بناء نموذج سوداني يستفيد من التجارب العالمية لكنه ينطلق من واقع السودان وموارده ومجتمعاته ومؤسساته.
نموذج يقوم على خمسة مبادئ مترابطة:
الإنسان أولًا.
المجتمع شريكًا.
المؤسسة قوية.
الموارد تُدار بكفاءة.
والأثر هو معيار النجاح.
وفي هذا النموذج يجب أن يصبح المشروع جسرًا بين الإغاثة والتعافي وبين التعافي والتنمية وبين التنمية والإنتاج.
فلا ينبغي أن يكون هناك جدار يفصل العمل الإنساني عن العمل التنموي وإنما مسار متدرج يبدأ بإنقاذ الإنسان ثم استعادة قدرته ثم بناء مؤسسته ومجتمعه واقتصاده.
الخاتمة: ما بعد الحرب يجب أن يكون ما بعد العقلية القديمة
السودان لا يحتاج إلى العودة إلى ما كان عليه قبل الحرب؛ لأن ما قبل الحرب نفسه لم يكن نموذجًا مكتملًا.
الحرب كانت كارثة بكل المقاييس لكنها كشفت أيضًا مواطن ضعف كانت موجودة قبلها وأظهرت في الوقت نفسه قدرة المجتمع السوداني على التضامن والابتكار والصمود.
ولهذا فإن مرحلة ما بعد الحرب يجب ألا تكون مجرد مرحلة لإعادة ما تهدم وإنما فرصة لإعادة التفكير في:
كيف نبني؟
ولمن نبني؟
ومن يبني؟
وكيف نضمن أن ما نبنيه سيستمر؟
المطلوب ليس المزيد من المشروعات التي تبدأ بميزانية وتنتهي بتقرير وإنما مشروعات تبدأ بالإنسان وتفهم المجتمع وتبني المؤسسة وتستخدم البيانات وتحقق الشراكة وتحترم المبادئ الإنسانية وتصنع فرصًا للإنتاج وتقيس أثرها الحقيقي وتخطط منذ البداية للحظة التي ينتهي فيها التمويل.
فالمساعدة قد تنقذ إنسانًا اليوم لكن تمكينه من استعادة قدرته على الاعتماد على نفسه هو الذي يصنع الغد.
والتمويل يمكن أن يطلق مشروعًا لكن القدرة هي التي تبقي أثره.
والمشروع قد ينجح في تنفيذ أنشطته لكن النجاح الحقيقي يبدأ عندما يصبح المجتمع أقل اعتمادًا عليه.
لذلك فإن السؤال الذي يجب أن يحكم مشروعات السودان في مرحلة ما بعد الحرب ليس:
كم أنفقنا؟
ولا حتى:
كم مشروعًا نفذنا؟
وإنما:
ماذا تركنا وراءنا؟
إذا تركنا مؤسسة أقوى ومجتمعًا أكثر قدرة وشبابًا أكثر إنتاجًا ونساءً أكثر تمكينًا وخدمات أكثر استدامة وسبل عيش أكثر قوة وثقة أكبر بين المواطن ومؤسساته فعندها فقط يمكن القول إن المشروع لم يكن مجرد استجابة للحرب وإنما كان جزءًا من صناعة السودان الذي يليها.
أما إذا انتهى المشروع وانتهت معه الخدمة وبقي الإنسان في المكان نفسه من الاحتياج فإن علينا أن نمتلك الشجاعة المهنية لنسأل أنفسنا:
هل كنا نبني القدرة فعلًا أم كنا فقط نُدير الاحتياج؟




