الفاشر… القلعة التي كسرت شوكة الجنجويد د.أيمن محجوب عبد الله محمد
الفاشر… القلعة التي كسرت شوكة الجنجويد د.أيمن محجوب عبد الله محمد

الفاشر… القلعة التي كسرت شوكة الجنجويد
د.أيمن محجوب عبد الله محمد
في قلب غرب السودان، على أرض شامخة ترتفع 700 متر فوق سطح البحر، تقف الفاشر، حاضرة شمال دارفور، العاصمة التاريخية لدارفور الكبرى، مثل جبل صلد في وجه الرياح العاتية. 228 محاولة هجوم شنّها الجنجويد لإسقاطها، و228 مرة انكسروا عند أسوارها، واندحروا أمام عزيمتها، حتى تحوّلت الفاشر إلى عقدة نفسية مزمنة في عقول قادة الجنجويد، وجرح مفتوح لا يلتئم في تاريخهم الأسود.
الفاشر ليست مجرد مدينة، بل هي حصن الإيمان، وقلعة الرجولة، وموئل الصابرين. صمودها ليس صدفة، بل مزيج من عناصر روحية وجغرافية وتاريخية لا تتكرر. أهلها حفظة كتاب الله، يصدح الأذان في أحيائهم صباح مساء، وقلوبهم معلقة بربهم، مؤمنون أن النصر من عند الله قبل أن يكون من عند البشر. يلتفون حول مدينتهم كما يلتف الدرع حول الجسد، ويقاتلون بعقيدة من يعلم أن الدفاع عن الأرض شرف لا يعلوه شرف.
جغرافية الفاشر تزيدها مناعة؛ فهي محاطة بتلال، وأوديتها تمدها بالماء والحياة، مثل وادي قولو الذي يبعد 16 كيلومتراً عن قلب المدينة، وبحيرتها التي تروي العطاش. أرضها تتنوع بين الصحراء وشبه الصحراء والكثبان الرملية، مما يحوّلها إلى ميدان معركة يعرفه أهلها شبراً شبراً، بينما يتيه فيه المعتدي القادم من بعيد.
تاريخ الفاشر يفيض بالقوة والمجد. كانت عاصمة سلاطين دارفور لأكثر من خمسة قرون، من عهد السلطان سليمان سولونق إلى السلطان علي دينار. كانت ملتقى القوافل التجارية، ومركز القرار السياسي، ومخزناً للثقافة والعلم. هي المدينة التي كانت ترسل “محمل الفاشر” بالذهب والهدايا إلى الحرمين الشريفين، وتخرج منها قوافل العلم إلى الأزهر الشريف.
وفي حاضرها، رغم المعسكرات التي ضمت آلاف النازحين، بقيت الفاشر مدينة الحياة، بأسواقها النابضة، وأحيائها التي تحمل أسماء لها تاريخ ورائحة تراث، مثل حي العظمة، والزيادية، والكفاح، وحلة فور، وديم سلك، والثورة، والشرفة، والنصر، وغيرها.
اليوم، الفاشر ليست فقط رمزاً للسودان، بل هي خط الدفاع الأول عن كرامة الوطن. في كل محاولة فاشلة للجنجويد لإسقاطها، تسطر الفاشر درساً في أن المدن العظيمة لا تسقط بالرصاص، لأن حصونها الحقيقية ليست في حجارتها، بل في قلوب أهلها وإيمانهم.
وسأكتب عن الفاشر اليوم وغداً، ومئات المرات، حتى يجف قلمي، لكن مشاعري تجاهها لن تجف أبداً. هي الفاشر الكبير، أبو زكريا، حجر قدو، مدينة كسرت سيوف الغزاة، وبقيت واقفة مثل منارة على طريق الكرامة السودانية.
الفاشر لا تعرف الهزيمة… ومن يظن أنه قادر على كسرها، فليقرأ تاريخ 228 محاولة فاشلة، قبل أن يحاول المحاولة رقم 229.




