اعمدة ورأي

تنوير النعمان حبيب الله ————– لجنة تصفية العاملين.. من يطفئ ما تبقى من روح الدولة؟

تنوير النعمان حبيب الله -------------- لجنة تصفية العاملين.. من يطفئ ما تبقى من روح الدولة؟

تنوير
النعمان حبيب الله
————–
لجنة تصفية العاملين.. من يطفئ ما تبقى من روح الدولة؟

————-
في الوقت الذي ينتظر فيه المواطن السوداني من الدولة أن تضمّد جراحه وتعيد له بعض ما فقده من أمن واستقرار وكرامة تأتي لجنة دراسة العاملين بالحكومة الاتحادية لتقدم أخطر توصية في تاريخ الخدمة المدنية السودانية توصية لا تشبه دولة تحاول النهوض من تحت الركام بل تشبه سلطة قررت أن تعاقب موظفيها على بقائهم أحياء بعد الحرب
أكثر من ستة وخمسين ألف موظف وعامل مهددون بالإبعاد من الخدمة تحت لافتة المعاش المبكر وإلغاء الوظائف بنسبة تصل إلى ستين بالمئة من العاملين بالحكومة الاتحادية وكأن هؤلاء مجرد أرقام في دفاتر وزارة المالية وليسوا بشرا فقدوا منازلهم ومدخراتهم وعرباتهم وتشردت أسرهم بين الولايات والمنافي ومراكز النزوح
أي عقل هذا الذي يفكر في تشريد الموظف في هذا التوقيت الكارثي؟ وأي ضمير يمكن أن يوقع على قرار يدفع بعشرات الآلاف إلى الشارع بينما تتحدث الدولة صباح مساء عن عودة المواطنين وإعادة الإعمار وبناء الأمل؟
كيف تطلبون من الناس العودة إلى الوطن ثم تستقبلونهم بالمقصلة؟ كيف تتحدثون عن الاستقرار وأنتم تهدمون آخر حصون الطبقة الوسطى في السودان؟ الخدمة المدنية ليست بندا فائضا في الموازنة بل هي العمود الفقري للدولة وإذا سقط هذا العمود سقطت هيبة الدولة نفسها
هذه ليست معالجة اقتصادية بل جريمة اجتماعية مكتملة الأركان وقرار بهذه الخطورة في هذا الظرف الاستثنائي لا يمكن وصفه إلا بأنه طعنة في ظهر المواطن السوداني وخدمة مجانية لكل من يريد تفكيك الدولة من الداخل ومن يمرر مثل هذه القرارات اليوم إما أنه لا يدرك حجم الكارثة أو أنه يؤدي دور الطابور الخامس بامتياز
السؤال الذي يجب أن يواجه به رئيس مجلس الوزراء ووزارة المالية ورئاسة الدولة هو ماذا تبقى للمواطن بعد الحرب حتى تنتزعوه منه؟ الناس فقدت البيوت والأمان والتعليم والعلاج وحتى الأحلام والآن تريدون أن تنتزعوا منهم الوظيفة والراتب ولقمة العيش
إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد الحرب ليس الدمار العسكري بل انهيار الثقة بين المواطن والدولة وحين يشعر الموظف أن حكومته تخلت عنه في أصعب لحظات حياته فلن يكون هناك حديث عن وطن ولا عن خدمة عامة ولا عن إعادة إعمار
هذه القرارات يجب أن تتوقف فورا ويجب أن تتحول الدولة من عقلية التشريد إلى عقلية الحماية ومن سياسة التخلص من العاملين إلى سياسة استيعابهم ودعمهم وتعويضهم لأن الدول العاقلة في زمن الكوارث تحمي موظفيها لا تلقي بهم إلى المجهول
التاريخ لن يرحم والشارع لن يصمت والموظف السوداني الذي صبر على الحرب والنزوح والجوع لا يستحق أن تكافئه الدولة بقرار فصل جماعي هو الأكبر والأقسى في تاريخ السودان الحديث

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى