اعمدة ورأي

على محمد طاهر علام يكتب.. المشروع الوطني السوداني .. الحل الذي يتغافل عنه الجميع؟!

على محمد طاهر علام يكتب.. المشروع الوطني السوداني .. الحل الذي يتغافل عنه الجميع؟!

على محمد طاهر علام يكتب.. المشروع الوطني السوداني .. الحل الذي يتغافل عنه الجميع؟!

ظل المشهد السياسي السوداني ولعقود طويلة من الزمن مسرحا لمواسم متكررة من التخبط، والعنف، والتربص، والجمود، والطرح السياسي الذي يفتقد للحلول الموضوعية لأزمة البلاد. بل يمكن القول بأن هنالك انسداد تام للافق السياسي، وإنعدام للإرادة المسؤولة والجادة للخروج  من نفق الصراع الطويل والتنازع المستمر غير المبرر من النخب السياسية والثقافية والقيادات المجتمعية. وهذا الوضع هو ليس مجرد أزمة سياسية عابرة، بل هو اختراق عميق لجسد الأمة السودانية ومنذ زمن طويل، تحوَّل معها مفهوم الوطنية إلى شعارات جوفاء، واصبحت “الدولة بشكلها الحديث” مجرد وهم في أذهان المواطنين الذين أنهكتهم حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
الادهي والاَمَر مازالت تلك النخب تمارس ذات التزييف والتضليل بتبادل إلصاق التٌهَم وتبرئة المحيط الخاص من مآلات الوضع الراهن والجرم الكبير في حق الوطن والشعب.
وفي وسط هذه المتاهة المعقدة، يخفت صوت الإرادة الواعية ويغيب الحديث عن المشروع الوطني الجامع، الحل الذي يتغافل عنه الجميع!
فالسودانيون ومنذ الاستقلال وحتي هذه اللحظة لم ينجحوا في بناء عقد اجتماعي (دستور) واعد يمثل البوصلة التي تحدد وتصوِّب مسار كل المكونات السياسية والمجتمعية في البلاد، وتنهي حالات إختطاف الوطن لصالح الاطر الضيقة والمنافع الخاصة.
نحتاج الي مشروع وطني خالص غير مؤدلج، غير موسمي وبلا محاصصات يقوده العقل الجمعي السوداني، مشروع وطني يعمل علي تحرير الفعل السياسي من غريزة الإنفرادية والهيمنة وشهوة التسلط والانتهازية، ويطفيء جذوة الاحتقانات والنزاعات والحروب للأبد، ويؤسس بدلاً عن ذلك مؤسسات وطنية حقيقية تخدم الشعب وتحترم خياراته.
في هذا الاطار بامكاننا الاستفادة من تجارب الدول الاخري التي سبقتنا الي بساط المصالحة الوطنية، بعقد مصالحة تُبْنَي علي الإعتراف بالأخطاء، وعلى الحقيقة والمصالحه، ومداواة الجراح، ورد المظالم. مصالحة لا تقفز على الذاكرة، بل تعيد كتابتها بأمانة وشجاعة لتجنب تكرارها. مصالحة تؤسس للعدالة الاجتماعية والمساواة وتقضي علي سياسات التهميش والتمييز حيث انه لا تنمية دون عدالة، ولا سلام دون مساواة، ولا وحدة دون اشراك الجميع.
لا بد من مشروع وطني: إعلامي وتربوي وثقافي يعيد تشكيل الوعي الجمعي السوداني علي اسس حضارية، ويزرع بدلاً من الكراهية قيماً إنسانية كالتسامح، والاعتراف بالاختلاف، وقبول الآخر، مشروع يتيح للكل التعبير عن خصوصيته ضمن إطار الدولة الموحدة، ويضمن التمثيل العادل لكل المكونات. مشروع وطني يُحفِّز ويقدّس العمل، ويُعْلِي من قيمة الإنتاج، ويضبط العلاقة بين الحقوق والواجبات، ويعيد الاعتبار للتعليم كأداة لبناء الإنسان.
ولذلك لابد من عقد مؤتمر سوداني _ سوداني جامع لا يهيمن عليه طرف، ولا يستثني احد، يتوافق فيه الجميع علي الحد الادني: “لا سلاح، لا إقصاء، لا جهوية، لا كراهية”، ومن ثم اطلاق حوار سوداني مفتوح داخل المجتمع لتعزيز الوعي الجديد القائم علي: المواطنة، التسامح، الإنتاج، والنزاهة.

المشروع الوطني السوداني ليس حلما فحسب ويجب ألا يكون ترفاً فكرياً أو طرحا إستهباليا للمناورة السياسية، بل هو ضرورة وجودية، لأنه المخرج الوحيد من هذا النفق المظلم، ولكن من المؤسف إن الجميع يتغافلون عنه، وينشغلون بصراعات آنية مستنسخة لا طائل منها، ومصالح ضيقة، وحسابات قصيرة النظر.
فهل نملك الشجاعة والارادة بعقد وتصميم ميثاق وطني جديد اليوم قبل الغد، ونتواضع علي مشروع وطني جامع، يخرجنا من دائرة الإنتقام إلي فضاء التصالح والبناء..؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى