اعمدة ورأي

الصادق إسماعيل علي يكتب نَكْزة : حكومة الأمل… أم أمل الحكومة؟

الصادق إسماعيل علي يكتب نَكْزة : حكومة الأمل... أم أمل الحكومة؟

الصادق إسماعيل علي يكتب

نَكْزة : حكومة الأمل… أم أمل الحكومة؟

* عندما أُعلنت «حكومة الأمل» قبل عام ونيف، كان المواطن يأمل ــ ولو قليلاً ــ أن يجد شيئاً من هذا الأمل في حياته اليومية، لا أن يكون الأمل مجرد اسم أنيق لحكومة تجلس على كرسي وسط بلدٍ مشتعل.

كان المأمول أن تتولى الحكومة تسيير دولاب الدولة في مستوياته المختلفة، وتخفيف وطأة الحرب عن المواطنين في ملاجئهم ومناطق نزوحهم، وتهيئة الظروف لعودتهم إلى ديارهم، وتوفير الخدمات الأساسية لهم، وحشد طاقات البلاد لاستكمال النصر.

أما مجلس السيادة ورئيسه، فكان المنتظر أن يتفرغا للمحور العسكري والسياسي للحرب، ويتركا للمحور التنفيذي من يدير شؤون الناس ومعاشهم.

لكن بعد عام ونيف، يبدو أن هناك مشكلة في العنوان: الأمل وصل إلى أعضاء الحكومة في صورة مرتبات ومخصصات مليارية، لكنه لم يصل بعد إلى المواطن!

وبعيداً عن المجاملات التي تزين البيانات الحكومية، فإن أداء الحكومة في عدد من الملفات الأساسية ما زال دون ما يتطلبه الظرف ودون ما ينتظره المواطن، خصوصاً في الاقتصاد، ومحاربة الفساد، والخدمات والتنمية في الولايات، والعلاقات الخارجية.

فبشأن الاقتصاد… الحكومة تمسك بالقلم والمواطن يمسك رأسه!

في بلد يخوض حرباً ويبحث عن موارده تحت الرماد، لا يمكن أن يستمر الاقتصاد بعقلية «نصرف الموجود وربنا كريم».

الحرب ليست فقط معركة بنادق؛ إنها أيضاً معركة موارد وإنتاج وعملة وأسواق.

والمطلوب ليس معجزة اقتصادية، وإنما شيء أكثر بساطة: أن تعرف الدولة أين تذهب مواردها، ومن الذي يبيعها، ومن الذي يشتريها، ولماذا يظل المواطن دائماً آخر من يعلم وآخر من يستفيد!

كان ينبغي إعادة هيكلة الاقتصاد الكلي بما يعيد للدولة السيطرة الفعلية على مواردها القومية، ويوجه رأس المال الوطني إلى الإنتاج وزيادته وتجويده، مع تولي الدولة ــ عبر مؤسساتها المختصة ــ إدارة تصدير الموارد الاستراتيجية واستيراد الاحتياجات الأساسية ذات التكلفة الكبيرة، مثل المشتقات البترولية والقمح والأدوية وغيرها.

فإذا فعلنا ذلك، يمكن أن نزيد الإنتاج، ونوفر العملة الصعبة، وندعم قيمة الجنيه، ونوفر السلع الأساسية، ونغلق بعض الأبواب التي يدخل منها المضاربون إلى جيوب المواطنين.

لكن يبدو أن اقتصادنا لا يزال يعيش فلسفة: «كل زول يدبر نفسو»! لأن القطاع الاقتصادي لحكومة الامل تبدو مشغولة بقضايا أخرى أكثر إلحاحا وأهمية .

الحكومة تبحث عن الإيراد السريع، والمواطن يبحث عن السلعة الرخيصة، والتاجر يبحث عن الدولار، والدولار يبحث عن الجنيه، والجنيه يبحث عن قيمته وكرامته التي فقدهما منذ زمن!

أما الموارد القومية، فيبدو أن بينها وبين المواطن علاقة عاطفية من طرف واحد: المواطن يحبها، لكنها لا تحبه!

والأغرب أن كل هذا يحدث في بلد غني بالموارد، وفقير في إدارة موارده.

فالمشكلة ليست دائماً في أن السودان لا يملك شيئاً؛ المشكلة أننا نملك أشياء كثيرة، لكننا بارعون في جعل الآخرين يستفيدون منها أكثر مما نستفيد نحن.

أما الفساد… مواطن أصيل لا يتأثر بالحرب!

أما الفساد الإداري والمالي، فيبدو أنه الوحيد الذي استطاع أن يحافظ على استمرارية مؤسساته رغم الحرب.

المؤسسات تتعطل، الخدمات تتراجع، المشاريع تتوقف، لكن الفساد ــ ما شاء الله عليه ــ يعرف كيف يجد طريقه!

يهدر الموارد الشحيحة، يعطل مصالح الناس، ويأكل من جسد الدولة وهي في أحوج ما تكون إلى كل جنيه.

والمشكلة ليست فقط في وجود الفساد؛ فوجوده في أي دولة وارد، وإنما المصيبة حين يشعر الناس أن لا أحد يخوض معه معركة حقيقية.

في زمن الحرب، كل جنيه يضيع في فساد ليس مجرد رقم في دفتر حسابات؛ إنه دواء لم يصل إلى مريض، أو مدرسة لم تُصلح، أو طريق لم يُعبد، أو خدمة لم تصل إلى مواطن ينتظرها.

ولذلك فإن مكافحة الفساد ليست ترفاً يصلح لأيام الرخاء؛ بل هي من صميم معركة الدولة في زمن الحرب.

والولايات… التنمية في إجازة والجباية تعمل ورديتين!

أما حكومات الولايات، وخاصة البعيدة عن العمليات العسكرية، بما فيها الخرطوم رأس الحية وكبيرهم الذي علمهم السحر ، فهذه حكاية أخرى.

كان المفترض أن تكون الولايات التي لم تطحنها العمليات العسكرية أكثر قدرة على جذب الاستثمار، وتنشيط الإنتاج، وتطوير الخدمات، وتحريك عجلة التنمية.

لكن بعض حكومات الولايات يبدو أنها اكتشفت الحل السحري: إذا لم تستطع أن تنتج… فاجبِ!

جباية على صاحب الدكان، وجباية على صاحب العربة، ورسوم على السوق، وأخرى على الطريق، وعلى بائعة الشاي والفول المدمس والتسالي في الطرقات وعلى صاحب ( الكارو والدرداقة ) وربما لو تركنا الأمر للجنة الجبايات قليلاً فسوف نصل إلى جباية على سير المواطن راجلا على الطرقات والهواء الذي يتنفسه !

وهكذا يتحول المواطن من مواطن في ولاية إلى مشروع جباية متنقل. وهو في الأصل عاطل عن العمل فاقد لوظيفته أو مشروعه الإنتاجي الخاص ، عائد من النزوح واللجؤ منهوب المال والأثاث ومهدم بيته ، يتسول أقاربه ليأكل ، لا تقدم له الحكومة التعليم أو العلاج الحكومي أو الخدمات الأساسية الأخرى .

أما الاستثمار، فيبدو أنه يُستقبل أحياناً بالترحاب في المؤتمرات، ثم يُترك عند باب الولاية يبحث عن المسؤول الذي وقّع له ورقة الدخول!

والتنمية؟
التنمية موجودة طبعاً… في الخطط.

والخطط موجودة في الملفات.

والملفات موجودة في المكاتب.

والمكاتب موجودة في المباني الحكومية.

وهكذا تكون التنمية قد وصلت بالفعل إلى كل مكان… إلا إلى المواطن!

الجبايات قد توفر دخلاً سريعاً، لكنها لا تبني اقتصاداً.

لا تجعل الولاية منتجة، ولا تخلق صناعة، ولا تجذب مستثمراً، ولا توفر وظائف، ولا تفتح سوقاً جديدة.

بل إن الإفراط فيها قد يجعل المستثمر نفسه ينظر إلى الولاية، ثم إلى جيبه، ثم يقول: «الله كريم» ويذهب إلى مكان آخر!

الولاية التي تريد أن تنهض لا ينبغي أن تسأل المواطن: «كم تستطيع أن تدفع؟»

بل ينبغي أن تسأله: «ما الذي تبرع في إنتاجه وماذا تحتاج حتى تنتج؟»

هذه هي المسافة بين حكومة تعيش على الجباية وحكومة تصنع التنمية.

والعلاقات الخارجية… نحتاج سياسة لا بيانات!

أما العلاقات الخارجية، فهي ليست أقل أهمية.

السودان يخوض حرباً تتداخل فيها المصالح الإقليمية والدولية، ولذلك لا يكفي أن تكون لدينا وزارة خارجية تصدر البيانات وترد على البيانات.

نحتاج سياسة خارجية تعرف ماذا تريد، ومن أين تأتي مصالح السودان، وكيف تُحشد المواقف الدولية دعماً لقضيته، وكيف تُحمى موارده وسيادته، وكيف تتحول العلاقات الخارجية إلى سند سياسي واقتصادي حقيقي.

فالسودان لا تنقصه التصريحات.

التصريحات عندنا بخير، وربما أكثر من اللازم!

الذي ينقصنا هو أن تتحول التصريحات إلى أفعال، والأفعال إلى نتائج، والنتائج إلى شيء يراه المواطن في حياته.

حكومة الأمل… المطلوب قليل!

لا أحد يطلب من الحكومة أن تصنع المعجزات وهي تعمل في ظل حرب قاسية.

لكن المواطن يريد أن يشعر أن هناك حكومة تدرك احتياجاته وتعمل من أجله.

يريد اقتصاداً يُدار بعقل، وموارد تُحفظ، وفساداً يُطارد، وولايات تنتج بدلاً من أن تجبي، وخدمات تتحسن، وعلاقات خارجية تتحرك، وحكومة تعرف إلى أين تريد أن تأخذ البلاد.

فالحرب يمكن أن تبرر التأخير، وتفسر بعض العجز، لكنها لا ينبغي أن تصبح فاتورة مفتوحة يُكتب في خانة أسبابها: «الحرب»… ثم يُوقّع عليها كل تقصير!

وفي النهاية، لا نريد من «حكومة الأمل» أن تحقق كل أحلام السودانيين.

نريد فقط ألا تجعل السودانيين يحتاجون إلى حكومة أخرى حتى يستعيدوا الأمل!

فهذه الحرب، مهما طالت، ستنتهي.

لكن السؤال الذي سيبقى بعدها:

هل سنجد دولة خرجت من الحرب أقوى… أم سنجد أن الحرب انتهت، بينما ظلت طريقة إدارة الدولة كما هي؟

وهنا، يا حكومة الأمل، تبدأ النكزة الحقيقية!

دمتم … سآلمين … آمنين … لآمين …. تآمين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى