اعمدة ورأي

عرفة خواجة تكتب.. نقطة بداية.. النَّهْبُ المُسَلَّحُ يَعُودُ… فَهَلْ مِنْ مُغِيثٍ؟

عرفة خواجة تكتب.. نقطة بداية.. النَّهْبُ المُسَلَّحُ يَعُودُ... فَهَلْ مِنْ مُغِيثٍ؟

عرفة خواجة تكتب.. نقطة بداية.. النَّهْبُ المُسَلَّحُ يَعُودُ… فَهَلْ مِنْ مُغِيثٍ؟

بينَ أَنْقَاضِ حَرْبٍ لَعِينَةٍ خَلَّفَتْ جِرَاحًا لَمْ تَنْدَمِلْ، وَبَيْنَ أَزِمَّةِ نُزُوحٍ قَلَبَتْ مَفَاهِيمَ الجِوَارِ وَالأَمَانِ، يَجِدُ مُوَاطِنُ الخَرْطُومِ نَفْسَهُ مَرَّةً أُخْرَى فِي مَوْقِفِ المُطَارَدِ دَاخِلَ بَيْتِهِ، بَلْ فِي شَوَارِعِ مَدِينَتَهُ الَّتِي طَالَمَا كَانَتْ مَثَابَةً لِلْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ.

بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ المَعَانَاةِ وَالنُّزُوحِ وَالاغْتِرَابِ، وَفِي لَحْظَاتِ العَوْدَةِ الأُولَى الَّتِي كَانَ يُرْتَجَى مِنْهَا بَدْءُ تَلَامِيمِ الجِرَاحِ، تَتَفَاجَأُ الأُسَرُ العَائِدَةُ وَأَهْلُ المَدِينَةِ بِعَوْدَةِ كَابُوسِ “النَّهْبِ المُسَلَّحِ” بِثَوْبِهِ الأَقْبَحِ، لِيُذَكِّرَهُمْ بِأَنَّ مَخَالِيبَ الحَرْبِ لَمْ تَنْقَلِعْ بَعْدُ مِنْ جَسَدِ العَاصِمَةِ.

لَقَدْ أَصْبَحَ مَشْهَدُ عَمَلِيَّا السَّلْبِ فِي وَضَحِ النَّهَارِ فِي مَنَاطِقَ كَالْفَتِيحَابِ وَالمُرَبَّعَاتِ بِأُمِّدُرْمَانَ حَقِيقَةً مُرَّةً، يُهَدَّدُ فِيهَا المُوَاطِنُ بِالسِّلَاحِ الأَبْيَضِ أَوْ النَّارِ، لِيُجَرَّدَ مِنْ مَالِهِ وَمَتَاعِهِ أَمَامَ مَرْأَىً وَمَسْمَعٍ مِنَ الآلِهَةِ الَّتِي تَفْتَرِضُ فِيهَا حِمَايَتَهُ. هُنَاكَ، فِي تِلْكَ الأَحْيَاءِ، يَتَحَدَّثُ السُّكَّانُ بِمُرَارَةٍ عَنْ تَوَافُدِ أُسَرٍ نَازِحَةٍ مِنْ مَنَاطِقَ عَشْوَائِيَّةٍ، لِيَتَحَوَّلَ وُجُودُهَا — فِي غِيَابِ الرَّعَايَةِ وَالضَّبْطِ — إِلَى تَهْدِيدٍ مُعَاشٍ، وَمَصْدَرٍ لِعَمَلِيَّاتِ نَهْبٍ مُنَظَّمٍ أَلْجَأَتِ السُّكَّانَ إِلَى التَّرَدُّدِ فِي العَوْدَةِ إِلَى مَنَازِلِهِمْ، فِي مُفَارَقَةٍ مَأسَاوِيَّةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ الضَّحِيَّةِ وَالجَانِي فِي قِدْرِ النُّزُوحِ وَالفَوْضَى.

أَمَّا فِي مَحْلِيَّةِ شَرْقِ النِّيلِ، فَالأَمْرُ لَا يَقِلُّ خُطُورَةً، وَإِنْ خَفَّتْ وَطْأَتُهُ بِفَضْلِ يَقَظَةٍ أَهْلِيَّةٍ وَتَدَخُّلَاتٍ أَمْنِيَّةٍ جَزَئِيَّةٍ. فَالصُّورَةُ وَاحِدَةٌ: انْفِلَاتٌ أَمْنِيٌّ، وَانْتِشَارٌ لِلظَّوَاهِرِ الإِجْرَامِيَّةِ، وَقُصُورٌ فِي تَوْظِيفِ مَظَلَّةِ الأَجْهِزَةِ الأَمْنِيَّةِ الَّتِي تَتَوَفَّرُ نَظَرِيًّا وَلَكِنَّ فَعَّالِيَّتَهَا عَلَى الأَرْضِ لَمْ تَرْتَقِ بَعْدُ إِلَى مُسْتَوَى تَطْمِينِ المُوَاطِنِ.

إِنَّ المُخِيفَ فِي الأَمْرِ أَنَّ هَذِهِ الجَرَائِمَ تَعُودُ بِالأُسْلُوبِ نَفْسِهِ، وَمِنَ الفِئَاتِ نَفْسِهَا الَّتِي ارْتَكَبَتْهَا فِي ذُرْوَةِ النِّزَاعِ، والسُّؤَالُ الَّذِي يُحَاصِرُ كُلَّ مُوَاطِنٍ هُنَا: كَيْفَ يُمْكِنُ لِهَذِهِ الجَرَائِمِ أَنْ تَجِدَ طَرِيقَهَا إِلَى النُّورِ فِي ظِلِّ وجود الأَجْهِزَةِ الأمنية بِحَالَةِ انْتِشَارٍ وَجَاهِزِيَّةٍ؟ وَأَيْنَ تَكُونُ هَذِهِ الأَجْهِزَةُ حِينَ يُقَامُ عَلَى المُوَاطِنِ فِي وَسْطِ النَّهَارِ؟!

لَا يَطْلُبُ المُوَاطِنُ المُثَقَّلُ بِجِرَاحِ الحَرْبِ وَالنُّزُوحِ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ الأَسَاسِيِّ فِي الأَمْنِ. وَقَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ عَوْدَةُ النَّازِحِينَ إِلَى مَزِيدٍ مِنَ المُعَانَاةِ وَالهُجْرَةِ الجَدِيدَةِ، فَإِنَّنَا نُنَادِي بِمَا يَلِي:

1. تَحْرِيكٌ فَوْرِيٌّ لِلدَّوْرِيَّاتِ الأَمْنِيَّةِ الثَّابِتَةِ وَالمُتَحَرِّكَةِ فِي المَنَاطِقِ الأَكْثَرِ تَوَتُرًا، مَعَ فَرْضِ نِقَاطِ تفتيش ثَابِتَةٍ تَرُدُعُ أَيَّ مُحَاوَلَةٍ لِلنَّهْبِ.
2. فَكُّ الِارْتِبَاطِ بَيْنَ ظَاهِرَةِ النُّزُوحِ وَالجَرِيمَةِ مِنْ خِلَالِ فَرْزِ الأُسَرِ النَّازِحَةِ وَتَوْفِيرِ رِعَايَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ وَأَمْنِيَّةٍ مُنْفَصِلَةٍ تَحُولُ دُونَ انْزِلَاقِ بَعْضِهَا فِي مُسْتَنَقَعِ الإِجْرَامِ.
3. مُحَاسَبَةٌ صَارِمَةٌ لِأَيِّ تَقْصِيرٍ أَوْ إِهْمَالٍ فِي تَحَرُّكِ الأَجْهِزَةِ الأَمْنِيَّةِ رَغْمَ وُجُودِهَا، فَالجِهَازُ المَوْجُودُ وَلَا يَعْمَلُ هُوَ شَرِيكٌ فِي الجَرِيمَةِ.
4. إِشْعَارٌ أَهْلِيٌّ وَإِعْلَامِيٌّ بِحَقِيقَةِ الإِجْرَاءَاتِ المُتَّخَذَةِ لِاسْتِعَادَةِ الثِّقَةِ بَيْنَ المُوَاطِنِ وَالدَّوْلَةِ، فَالصَّمْتُ عَنِ الجَرَائِمِ يُغَرِّي بِمُزِيدٍ مِنْهَا.

إِنَّ مَا يَحْدُثُ فِي الخَرْطُومِ لَيْسَ مُجَرَّدَ جَرَائِمَ عَادِيَّةٍ، بَلْ هُوَ إِعَادَةُ إِنْتَاجٍ لِمَنْطِقِ الفَوْضَى الَّذِي سَادَ خِلَالَ الحَرْبِ، وَهُوَ اخْتِبَارٌ حَقِيقِيٌّ لِجُدْوَى كُلِّ التَّرْتِيبَاتِ الأَمْنِيَّةِ المَوْجُودَةِ عَلَى الوَرَقِ. فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الأَجْهِزَةُ الأَمْنِيَّةُ دِرْعًا حَامِيًا لِلْمُوَاطِنِ، وَإِمَّا أَنْ تَتَحَوَّلَ — فِي صَمْتِهَا وَتَقَاعُسِهَا — إِلَى مُجَرَّدِ شَاهِدٍ عَلَى الجَرِيمَةِ.

اللَّجْنَةُ العُلْيَا لِتَأْمِينِ الوِلَايَةِ مَطَالَبَةٌ الآنَ بِأَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ الاِجْتِمَاعَاتِ؛ المَطْلُوبُ رَدْعٌ مَيْدَانِيٌّ حَاسِمٌ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى كُلِّ مَنْ يُفَكِّرُ فِي اِعْتِدَاءِ المُوَاطِنِ فِي مَنْزِلِهِ أَوْ شَارِعِهِ. فَإِنْ لَمْ نَجِدِ المُغِيثَ اليَوْمَ، فَسَنَجِدُ غَدًا مَدِينَةً تَخْلُو مِنْ سُكَّانِهَا مَرَّةً أُخْرَى، لَا بِسَبَبِ القَذَائِفِ، بَلْ بِسَبَبِ تَمَادِي عُصَيَّاتِ النَّهْبِ وَالسَّلْبِ الَّتِي تَنْهَشُ فِي جَسَدِ العَاصِمَةِ بِدَمٍ بَارِدٍ.

ولنا عوده….

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى