اعمدة ورأي

سياسة حافة الهاوية وحصار مدينة الأبيض* *بقلم المهندس/حسب الله النور*

سياسة حافة الهاوية وحصار مدينة الأبيض* *بقلم المهندس/حسب الله النور*

سياسة حافة الهاوية وحصار مدينة الأبيض*

*بقلم المهندس/حسب الله النور*

بالتزامن مع تكثيف الهجمات على مدينة الأبيض حذّر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، يوم الجمعة، من “كارثة” توشك أن تقع في المدينة، إحدى أكبر مدن السودان، التي تحاصرها قوات الدعم السريع، جاء ذلك في كلمة ألقاها خلال افتتاح جلسة نقاش عاجلة بشأن السودان في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، بناءً على طلب بريطاني، بدعم ألماني وأيرلندي وهولندي ونرويجي. الجزيرة – 3/7/2026م. هذه هي سياسة حافة الهاوية، وهي استراتيجية في العلاقات الدولية، تقوم على دفع الأزمات إلى حافة الحرب، أو المواجهة الخطيرة، بهدف إجبار الطرف الآخر على التراجع، أو التفاوض، أو تقديم تنازلات.
وقد ارتبط هذا المفهوم بصورة خاصة بفترة الحرب الباردة، واستخدمه بشكل بارز جون فوستر دالاس، الذي رأى أن إظهار الاستعداد للمخاطرة قد يعزز الردع ويحقق مكاسب سياسية.
ومن أبرز خصائص سياسة حافة الهاوية ممارسة ضغوط سياسية أو عسكرية أو اقتصادية شديدة، في محاولة لإرغام الخصم على التراجع. ومن أشهر الأمثلة عليها أزمة الصواريخ الكوبية، حين اقتربت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي من مواجهة نووية، قبل أن يتوصلا إلى تسوية دبلوماسية أنهت الأزمة.
إن المتتبع للأحداث في السودان خلال الأسبوعين الماضيين، يلحظ تعزيزات كبيرة لقوات الدعم السريع حول مدينة الأبيض، التي ما فتئت تتعرض لهجمات تكاد تكون يومية. وقد تركزت هذه الهجمات على الأعيان المدنية، فدُمِّرت المحطة التحويلية الرئيسة للكهرباء في المدينة، وكذلك المحطة الاحتياطية، مما أدخل المدينة في ظلام كامل. كما استهدفت الهجمات محطات الوقود وناقلاته، واتسع نطاقها ليشمل المدن الواقعة على الشارع الرئيس الوحيد الذي يغذي مدينة الأبيض، حتى مدينة كوستي التي تبعد نحو ثلاثمائة كيلومتر شرق الأبيض، الأمر الذي أدخل سكان المدينة في أزمة حادة وشكّل ضغطًا كبيراً عليهم.
وبالتوازي مع هذه الهجمات، صاحبتها حملة سياسية وإعلامية أوحت بأن مدينة الأبيض مقبلة على إبادة شبيهة بما جرى في مدينة الفاشر، متسببة في حالة من الاضطراب في أنحاء البلاد.
ومن نماذج تلك التصريحات ما صدر دوليًا، إذ أعرب أعضاء مجلس الأمن الدولي عن قلقهم من التقارير التي تشير إلى حشود عسكرية لقوات الدعم السريع حول مدينة الأبيض، محذرين من احتمال وقوع تصعيد خطير أو هجوم بري قد يؤدي إلى “فظائع جماعية”. القدس العربي – 22/6/2026
كما أعلن فولكر تورك أن المؤشرات القادمة من الأبيض “واضحة ولا لبس فيها”، محذرًا من أن كارثة إنسانية وحقوقية جديدة تتكشف في المدينة. الجزيرة – 3/7/2026
ووصفت سفيرة بريطانيا لحقوق الإنسان، إليانور ساندرز، الوضع بقولها إن “ما يصل إلى 500 ألف مدني يواجهون خطر التعرض لفظائع واسعة النطاق… ولا يمكننا السماح بتكرار فظائع كان من الممكن تجنبها”.
كما تواجه مدينة الأبيض أزمة متفاقمة بعد تعطل خدمات المياه والكهرباء والوقود، جراء هجمات بالطائرات المسيّرة، فيما تتزايد المخاوف من حصار قد يدفع بالمدينة إلى كارثة إنسانية. فرانس 24 – 30/6/2026
وهناك تصريحات ومواقف أخرى كثيرة في الاتجاه نفسه.
ومع كل هذه الضغوط، كشف وزير المالية، عما وصفه بأنه حرب لتدمير الدولة السودانية، وذلك في حوار ببرنامج المنتدى السياسي على تلفزيون السودان، حيث قال إن الحرب الاقتصادية الدائرة حاليًا تُعد “حربًا شرسة جدًا”، مشيرًا إلى أن الهدف الأساسي منها هو إحداث انهيار كامل للدولة عبر ضرب مواردها وقدراتها المالية.
إن هذه الضغوط العسكرية والسياسية والإعلامية والاقتصادية، من شأنها ان تدفع بالبلاد إلى حافة الهاوية وذلك بغرض فرض هدنة، كما ظهر في مؤتمر جنيف الأخير. فقد دعا المندوب الدائم لمصر إلى “وقف شامل وكامل وفوري لإطلاق النار في جميع أنحاء الأراضي السودانية”. (الشرق الأوسط).
كما كشف فولكر تورك أن هواتف زعماء العالم ستتلقى خلال الأسابيع القليلة المقبلة أفكارًا ومقترحات عملية ومحددة بشأن كيفية تفادي وقوع جرائم وحشية وتصفيات عرقية في مدينة الأبيض. وأشارت التقارير إلى أن “التحركات الدبلوماسية الغربية، بقيادة بريطانيا، تتسارع لاستصدار قرار أممي يفرض هدنة إنسانية عاجلة لإنقاذ المدينة وسكانها والنازحين إليها من مقصلة اقتصاد الحرب”. الجزيرة – 3/7/2026
ولا أظن أن بريطانيا أكثر حرصًا على الهدنة بقدر حرصها على كشف نوايا الولايات المتحدة في السعي إلى فرضها، ما دامت الأخيرة ظلت تناشد بها.
وربما كانت العمليات العسكرية التي جرت في غرب دارفور، والتي نجحت إلى حد ما في تخفيف الضغط على مدينة الأبيض، قد جاءت بإيعاز من بريطانيا، التي يبدو أن قادة القوات المشتركة يعيرونها آذانًا صاغية.
إن الهدنة التي يراد فرضها تأتي بعد تهيئة مسرح دارفور بسيطرة قوات الدعم السريع على معظم أراضي الإقليم، وقيام حكومة “تأسيس” بوصفها حكومة موازية تمتلك مقومات البقاء إذا أتيحت لها هدنة طويلة الأمد، في محاكاة لما جرى ويجري في ليبيا.
إن أعمال تفتيت المفتت وتجزئة المجزأ من الأمة الإسلامية تمثل، المرحلة الثالثة من مراحل تمزيق الأمة الإسلامية. وأختم مقالي بسؤال: إلى متى يُمزَّق جسد الأمة الإسلامية ونحن أحياء، ننظر ونسمع؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى