اعمدة ورأي

. ياسر محجوب الحسين. يكتب : تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (١٩)

. ياسر محجوب الحسين. يكتب : تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (١٩)

د. ياسر محجوب الحسين. يكتب :

تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (١٩)

في أمواج ناعمة، لا تأتي الأسماء بوصفها عناوين، بل باعتبارها آثارا تركت شكلها على الرمل ثم مضت. هنا، يتقدّم خالد عويس ومحجوب عثمان لا كنموذجين لمسارين متباينين، بل كصوتين خرجا من الجيل واحد شغوف بمهنة الصحافة يخوض تحدياتها بخطى واثقة وعقول منفتحة؛ جيلٍ تعلّم الصحافة تحت الضغط، وكتب وهو يدرك أن الخطأ لا يُمحى، وأن الكلمة قد تكون نجاةً أو هاوية.
في هذه الحلقة (١٩) من «تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية»، نتناول تجربتين تشكّلتا في المناخ ذاته، وتقاطعتا في جوهر واحد: مهنية تُمارَس بوصفها موقفًا أخلاقيًا، وحيادًا يُحمَل باعتباره شجاعة لا منطقة رمادية. من غرفة التحرير إلى ساحات السياسة، ومن الأدب الذي يُليّن قسوة الواقع إلى الخبر الذي يُمسك به دون أن يُساق، تتجاور تجربتا عويس وعثمان كدليلٍ على أن الصحافة ليست مهنة للعرض، بل حرفة للصبر، وأن الأثر الحقيقي لا يُقاس بالضجيج، بل بما يبقى بعده.
هنا نقترب من جيلٍ لم يرفع صوته كثيرا، لكنه قال ما يكفي، وترك في الماء دوائر لا تزال تتّسع.

خالد عويس
ظل خالد عويس واحدا من أولئك الذين لا تُعرِّفهم المهن بقدر ما تكشفهم القيم. خرج من كلية الزراعة بجامعة الخرطوم، لا ليزرع الحقول، بل ليزرع المعنى في أرضٍ أنهكها الصمت، فاستبدل المحراث بالقلم، وجعل من الحبر ماءً آخر للحياة.
منذ منتصف التسعينيات، أخذ يتنقّل بين الصحف السودانية كما يتنقّل النهر بين ضفافه، يجرّب صوته، ويصقله، ويختبر قدرته على قول الحقيقة دون أن يجرحها. ثم حمل حقيبته إلى فضاءٍ أوسع، فكان له في الصحافة السعودية موطئ قدم، وفي الخليج نافذة، حيث أدار مكتب “الزمان” اللندنية بوعي من يعرف أن الخبر ليس مجرد واقعة، بل مسؤولية أخلاقية.
توزّعت بصمته المهنية بين عواصم الصحافة العربية: لندن، أبوظبي، بيروت، القاهرة. سكرتير تحرير هنا، وعقل تنظيمي هناك، لكن القاسم المشترك كان دائمًا حضوره الهادئ، وانحيازه الصارم للمهنية، وقدرته النادرة على أن يكون داخل الحدث دون أن يُرى، وأن يُمسك بالخيط دون أن يشدّه نحو قناعاته الخاصة.
واليوم، من منصة قناة الشرق، يقف في قلب الملف السوداني، حيث السياسة متشابكة كالأدغال، والأمن هشّ كزجاجٍ في مهب الريح. ومع ذلك، لا تكاد تلمح في أدائه ظل رأيٍ شخصي أو نزق موقف؛ فالموضوعية عنده ليست شعارًا، بل سلوكًا يوميًا، ودينًا مهنيًا لا يقبل التأويل.
لم يكن صحفيًا فحسب، بل أديبا تسلّل الأدب إلى لغته الصحفية، فخفّف قسوتها دون أن يُضعف حدّتها. في رواياته، رقص تحت المطر، وفتح وطنًا خلف القضبان، وصرخ بـ”كياح” في وجه القهر، فالتقطت الجامعات العالمية نصوصه كما تُلتقط الشهادات النادرة. تُرجمت أعماله، ودُرست، وخرجت من المحلية إلى العالمية، حاملةً وجع السودان وأسئلته الكبرى حول الهوية، والسلطة، والحرية.
وحين اختارت مؤسسات أكاديمية أمريكية وأوروبية فصولا من أعماله للترجمة والدراسة، لم يكن ذلك تكريما لنصٍ جميل فحسب، بل اعترافا بصوتٍ أدبي قادر على تفكيك العنف، والعنصرية، والذاكرة، بلغةٍ هادئة تشبه صاحبها.
في بيئات العمل المتعددة الجنسيات، ظل عويس وجها سودانيا نقيّا: أخلاق رفيعة، تواضع بلا تصنّع، ومهنية لا تساوم. مثّل بلاده كما ينبغي أن تُمثّل: لا بالصوت العالي، بل بالفعل المتقن. فكان بين زملائه من مختلف الدول فخرا لوطنه، ودليلا على أن السودان، مهما أثقلته الجراح، ما زال يُنجب من يشبهه في عمقه ونبله.
هكذا يبدو خالد عويس: صحفيّا لا يُرى إلا أثره، وأديبًا لا يكتب ليُبهر، بل ليُضيء.

محجوب عثمان
لم يأتِ محجوب عثمان إلى الصحافة مصادفة، بل دخلها وهو يحمل زاد المعرفة الأكاديمية وشغف الممارسة. تخرّج في جامعة القرآن الكريم، كلية الدعوة والإعلام، فجمع بين التأهيل العلمي والموهبة الفطرية، ليبدأ رحلته في بلاط صاحبة الجلالة وهو مدرك أن الخبر ليس مجرد واقعة، بل سياق ورؤية ومسؤولية.
في مطلع العام 2004، ولج الحياة العملية من بوابة صحيفة “الأنباء” متدربا، وفي ذات العام جلس لامتحان القيد الصحفي فاجتازه، كأنما كان يعجّل بخطاه نحو قدرٍ يعرفه. لم يمضِ وقت طويل حتى عُيِّن محررًا صحفيًا بالصحيفة نفسها، وكانت البلاد آنذاك على صفيح مفاوضات مشاكوس، تمضي ببطء ثقيل نحو سلامٍ مرتقب. هناك، تفتّح حسه الخبري باكرا، وتكشّف إدراكه السياسي، فأسندت إليه تغطية مجلس تنسيق الولايات الجنوبية، وهي مهمة لم تكن عادية، لكنها منحته فرصة نادرة لتعميق تخصصه والإحاطة بما يدور خلف الكواليس التفاوضية. وبعد توقيع اتفاقية السلام، تابع بشغف ومهنية مراحل إعداد الدستور الانتقالي، شاهدا على لحظة مفصلية في تاريخ البلاد.
عند تصفية صحيفة “الأنباء” في نهاية 2005، لم يتوقف المسار، بل تغيّر الاتجاه. انتقل محجوب إلى صحيفة رأي الشعب، ثم ما لبث أن شدّ الرحال في منتصف 2006 إلى “آخر لحظة”، ومنها إلى “الرائد”، قبل أن يحط رحاله في العام 2011 بصحيفة التيار. كانت هذه التنقلات أشبه بمحطات خبرة، يراكم فيها التجربة ويصقل أدواته.
لم يكتفِ محجوب بالصحافة المكتوبة، فخاض تجربة الإنتاج البرامجي التلفزيوني عبر قناة أمدرمان الفضائية، مضيفا بعدا بصريًا لمهاراته الإعلامية. لكنه سرعان ما عاد إلى الورق، مستجيبا لإلحاح القائمين على صحيفة “الصيحة” في العام 2014، وهي تشهد انطلاقتها الأولى بقيادة مؤسسها الراحل الطيب مصطفى. ظل وفيًا للصحيفة حتى 2018، قبل أن ينتقل إلى “المجهر السياسي”.
ومع التغيير السياسي في 2019، تقلّد محجوب منصب مدير التحرير بصحيفة “الحراك السياسي”، مواصلًا أداءه في زمنٍ متقلّب، حتى جاءت أحداث 2023 وتمرد مليشيا الدعم السريع، لتقضي على الأخضر واليابس في جسد الصحافة السودانية.
على امتداد هذه الرحلة الطويلة، برع محجوب في تغطية دوائر شتى: سياسية، سيادية، وخدمية، من وزارة الخارجية إلى البرلمان، ومن القصر الجمهوري إلى هوامش البلاد. جاب في رحلات عمله معظم مدن وقرى السودان، لا سيما مناطق دارفور، وكذلك جنوب السودان قبل الانفصال، شاهدًا ومشاركًا في صناعة الخبر من قلب الجغرافيا والناس.
أما إنسانيا، فقد عُرف محجوب بحسن الخلق وطيب المعشر، نسج علاقات راسخة مع زملائه ومصادره، وكان – ولا يزال – محل ثقة كل من تعامل معه. كاتب عمودٍ لا يهادن، يناقش قضايا الوطن السياسية والخدمية بموضوعيةٍ مشحونة بالانفعال النبيل، ذلك الانفعال الذي لا يخرج عن حدود المسؤولية، ولا ينفصل عن همّ الوطن.

نواصل بإذن الله وبحوله

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى