
د. غالب محمد طه يكتب.. لقاء في رحاب الألفة
أسئلة ملحّة جالت في ذهني عقب انتهاء مكالمة جمعتني بأحد أصدقاء الزمن الجميل؛ أسئلة بدت وكأنها تختبر محبتي وعمق الود بيننا: كم تبعد مدينتك عن مكة؟ هل نستطيع أن نلتقي هناك؟ هل يقصد حقًا ما يقول؟ وهل أستطيع أن أترك مسؤولياتي وأسافر كل تلك المسافة لأراه؟
تبسّمت ضاحكًا وأنا أجيب لنفسي: نعم أستطيع، حتى لو اضطررت أن أحبو إليه حبْوًا. فهو أكبر من أن يختبر قدرتي على معانقة تلك اللحظات النادرة التي لا تحتاج إلى امتحان.
من هنا بدأ كل شيء. مكالمة صغيرة، لكنها كانت كفيلة بأن تفتح أبواب الذاكرة على مصاريعها، وتعيد ترتيب المشاعر كما لو أن الزمن لم يمر. عندها تساءلت: هل تُقاس قوة الروابط الإنسانية بطول السنوات، أم بصدق اللحظات التي تتلاقى فيها الأرواح فتتجاوز حسابات الزمن والمكان؟ وهل يبهت وهج المودة حين يطول الغياب، أم أن بعض الصداقات خُلقت لتعلو على الفقد، فلا تنال منها قسوة البعد ولا يطفئها انتظار السنين؟
سنوات طويلة مضت منذ آخر لقاء. مضت الحياة بكلٍّ منا في اتجاه مختلف، حتى بدا وكأن المسافات قد ابتلعت لقاءاتنا القديمة. تبدّلت الأحوال، لكن جذوة الصداقة بقيت كامنة في الأعماق، تنتظر لحظة يصبح فيها اللقاء حصاد العمر وخلاصة الرجاء. لم ندرك، إلا متأخرين، كم سُلب منا خلال الغياب من صفاء الود ونقاء العشرة، حتى أيقنّا أن بعض العلاقات لا تُقاس بقرب المسافات، بل بثباتها في الوجدان.
في مطالع الشباب جمعتنا الأيام. كانت الأرواح أخف، والأحلام أوسع من أعمارنا. لم تكن صداقتنا رهينة حضور دائم أو تواصل متكلف، بل أشبه بشجرة عتيقة، جذورها راسخة في القلب، لا تهزّها الرياح. ومع مرور الأعوام، غاب اثنان من رفاق الدرب، فتعلمنا أن بعض الغياب لا يُعوَّض، وأن الذكريات قد تصبح أحيانًا الملاذ الأخير حين تضيق مساحات الحياة.
كبرنا، وتراكمت التجارب، وكبر أبناؤنا حتى بلغوا الجامعات، غير أن شيئًا في داخلنا ظل عصيًا على الشيخوخة. كنا، كلما التقينا، نشعر وكأن الزمن يعود خطوة إلى الوراء؛ نضحك بذات العفوية، ونستعيد تلك الروح التي لم تُدنّسها الحسابات. كانت لقاءاتنا تحمل دائمًا معنى أعمق من مجرد اجتماع عابر، كأنها تعيد وصل ما انقطع دون جهد أو تكلّف.
ولمّا اقتربت اللحظة، لم يكن للكلمات مكان.
الدهشة هي التي تكلّمت،
وقبل الأيادي… العيون هي التي سلّمت.
انهمرت الدموع، لا حزنًا، بل امتلاءً بالفرح. دموع أذابت جليد السنين وأسقطت المسافات دفعة واحدة. لم نحتج إلى عبارات منمّقة؛ فالعيون قالت كل ما عجز عنه اللسان. وفي لحظة خاطفة، عادت الذاكرة تركض كطفل لا يعرف الخوف. بكينا اعترافًا بأن الصداقة الحقيقية لا يقهرها زمان ولا يحدّها مكان.
ثم مضينا معًا لأداء العمرة.
ومكة، على صِغَر مساحتها، تحتضن العالم كله بسعة لا تشبه إلا سعة الرحمة. تتجاور فيها الألوان واللغات والأعمار، فيما يرتفع نداء واحد يوحّد الجموع: الله أكبر. هناك، يتضاءل كل ما عداه، ويستعيد الإنسان معناه الأول.
ولم يكن هذا اللقاء بعيدًا عن جذورنا الأولى. فكلما استعدت وجوه الرفاق، عاد السودان إلى الذاكرة؛ ذلك الوطن الذي يجمع بين البساطة والعمق، وبين الفرح والوجع، كأنه لوحة لا تكتمل إلا بتناقضاتها. وطنٌ أثقلته الجراح، لكنه ظل واقفًا، قويًا برجاله ونسائه، قادرًا على النهوض مهما اشتدت عليه المحن. وطنٌ لا يصنع جماله الحجر، بل تصنعه الأرواح التي تسكنه. فيه تنشأ الصداقات على مهل، وتكبر بصدق، وتبقى حيّة مهما عصفت بها الأيام.
ومع كل استدعاء لرفاق الجامعة، أدركت أن السودان كان المسرح الأول لكل تلك الحكايات، وأن اختلافه — رغم كل شيء — هو ما منح تلك الروابط رسوخها ودفئها.
أصدقاء الزمن الجميل
وكان وليد، في تلك اللحظة، يعيد إلى ذاكرتي وجوه أصدقاء الزمن الجميل؛ تلك الجماعة الكبيرة من رفاق الجامعة الذين ما زالوا يجتمعون في مساحة واحدة رغم تباعد المدن والسنين، ويتواصلون كما لو أن الزمن لم يمضِ بنا خطوة واحدة. لكل واحد منهم أثره الخاص في القلب، نقشًا لا تمحوه الأيام مهما طال الغياب.
وددت، والله، لو صافحتهم جميعًا واحدًا واحدًا، وأسأل الله أن يمدّ في أعمارنا وأعمارهم لنلتقي مجددًا كما كنا، بقلوب صافية ووجوه يملؤها الشوق.
وإن كان لقائي بوليد قد حرّك في القلب كل هذا الشجن، فكيف يكون الحال حين ألتقي الآخرين؟ كيف سيكون وقع اللحظة عندما تمتد يدي لمصافحة أمير وهيثم والشيخ ومحمد وعامر وزاهر، وبقية الرفاق الذين شكّلوا معنا ملامح ذلك الزمن النقي؟
لم يكن وليد إلا نافذة أعادت فتح الذاكرة، أما المحبة فمتسعة للجميع، ثابتة لا تتجزأ، وحاضرة في القلب كما لو أننا لم نفترق يومًا.
وفي ختام ذلك اللقاء، بدا لي وليد أكثر من مجرد صديق قديم. كان نافذة مفتوحة على زمن الجامعة؛ زمن الصدق والبساطة والمرح. رأيت فيه ملامح الرفاق، وضحكات الممرات، وأحلام الشباب الأولى. كأن لقائي به كان لقاءً بمرحلة كاملة من حياتنا، مرحلة ما زالت تسكن القلب رغم ما تراكم فوقها من سنوات.
ولعل أجمل ما في اللقاء أنه يعيد إلينا أنفسنا… قبل أن يعيد إلينا الآخرين.
وهكذا، لم يكن لقاؤنا في مكة مجرد تجديد ذكرى واستعادة الحكايات، بل لحظة أعادت للروح صفاءها، وأكدت أن ما يُبنى على المحبة الصادقة لا تهدمه المسافات، وأن بعض الأماكن — ومكة في القلب منها — لا تجمع الناس في طرقاتها فحسب، بل تجمعهم في قلوبهم أيضًا.




