مقالات

د.أيمن محجوب عبد الله محمد يكتب.. دمع على أوتار الطنبور.. كيف حول يسن عبد العظيم أشجان القلب إلى مزامير أزلية

د.أيمن محجوب عبد الله محمد يكتب.. دمع على أوتار الطنبور.. كيف حول يسن عبد العظيم أشجان القلب إلى مزامير أزلية

د.أيمن محجوب عبد الله محمد يكتب.. دمع على أوتار الطنبور.. كيف حول يسن عبد العظيم أشجان القلب إلى مزامير أزلية؟

المقدمة: صوتٌ يأتي من أعماق الروح
في عالم الأغنية السودانية، حيث تُنسج المشاعر بخيوط من ذهب وألم، يطلّ علينا صوت يسن عبد العظيم كقيثارة حزينة، تُعزف على أوتار الطنبور، فتسكب في الأسماع عذوبةً ووجعاً. إنه “ملك الإحساس” الذي حوّل الكلمات إلى أناشيد تُقرأ بالقلب قبل الأذن، فصار كل لحن منه قصيدةً تروي حكايات العشق والشوق والفراق.
لا يغني يسن عبد العظيم، بل يتنفس الموسيقى. صوته ليس مجرد ذبذبات هوائية، بل هو صرخةٌ وجودية، حفرت عميقاً في وجدان السودان والعالم العربي. إنه الفنان الذي حوَّل الطنبور من آلةٍ موسيقية إلى جسرٍ بين الأرض والسماء، بين العاشق والمعشوق، بين الألم والأمل.
عندما يُرفع صوت يسن عبد العظيم، لا يملأ الأذن فقط، بل يغزو القلبَ والروح. كأنه نهرٌ من المشاعر الجارفة، يحملنا بين أمواج الحنين والألم، لنغوص في أعماق إنسانية نادرة. صوته ليس مجرد أداءٍ غنائي، بل هو اعترافات عاشقٍ منهك، يبوح بأسراره عبر كلماتٍ كُتبت بدماء القلب.
” كَيْفَنْ أَصْـــبِرْ قَلِيبْـــي “: نشيد العاشق الذي أذاب الزمن عشقاً
عندما تنساب أنغام ” ﻛﻴﻔﻦ ﺃﺻـــﺒﺮ ﻗﻠﻴـــﺒﻰ ” كندى الصباح على أوراق الورد، يصبح الكون كله شاهداً على أعمق أسرار العشق. يسن عبد العظيم هنا ليس مغنياً فحسب، بل ساحرٌ ينسج من الألم تاجاً للمحبين، ويحوّل دموع العشاق إلى لآلئ تزين جبين الليل.
” كَيْفَنْ أَصْـــبِرْ قَلِيبْـــي ؟” سؤالٌ يُطرق به القلب أبواب السماوات، وكأنه استفهامٌ مقدس في معبد العشق. أية إجابة يمكن أن تليق؟ الصبر هنا ليس فضيلة، بل معجزة لا يقوى عليها إلا من أُحرق قلبه بنار الشوق. ثم تأتي تلك الكلمات التي تهز الروح ” ﻣﺎ ﺩﺍﻡ ﻋﺸﻤﻰ ﻓﻰ ﻧﻈــــــﺮﺓ .. ﻭﺍﻟﻌﻨﺪﻭ ﺍﻟﻨﻈﺮﺓ ﻣﺎﺑﻰ “، فالنظرة الواحدة تصبح كالشفرة التي تفتح أبواب الجنة، لكنها للأسف مفتاح لا يدخل به إلا المحظوظون!
وعندما يهمس يسن ” أَحِنُّ لَهَا حَنَّ القَمَارِي… تَقُوقِيبَــــا أَوْتَارْ رَبَابِي “، تتحول الكلمات إلى سربٍ من الطيور المغردة تحلق في فضاءات الحنين. القماري هنا لا تغرد، بل تتنفس الحب، وأوتار الربابة لا تعزف، بل تبكي بحرقة المحرومين. الحنين عند يسن ليس ذكرى عابرة، بل هو جرحٌ يغني، ودمعةٌ ترقص، وقلبٌ ينزف ألحاناً.
” وَأَهْوَى الهَوَى فِي هَوَاهَا … وَهَوَاهَا قِرَايَتِي وَكِتَابِي ” هنا يصل بنا يسن إلى ذروة التقديس. المحبوبة لم تعد بشراً، بل أصبحت ديناً يُعبد، وكتاباً يُتلى، وواحةً تُزار. حبها ليس شعوراً، بل هو ماء الحياة وروح الوجود.
أما ذلك الاعتراف الصادم ” مَنُو القَالْ لِيكُمْ عْقِلْتَّ … وَحَاتْكُمْ جُنِيتْ دَابِي ” ” بَقِيتُ لَمْ…انْ لِيهَا أُفَارِق … أُفَارِقْ عُقْــلِي وَصَوَابِي ” فهو لحظة التنازل عن الإنسانية بكبرياء! العاشق هنا يفرح بجنونه، ويتباهى بفقدان عقله، وكأنه يقول للعالم: “خذوا عقولكم.. وأعطوني قلباً أعيش به!”.
وفي النهاية، عندما يصرخ ” أَضِيقُ لَمْتِينْ لِيهَا أَرْجَع … أَخَافْ مَا يَطُولْ بِي غِيَابِي “، نكتشف أن الخوف الحقيقي ليس من الموت، بل من غيابٍ قد يسرق حتى حقنا في المعاناة!
هذه الأغنية ليست كلمات تُغنى، بل هي رحلةٌ في عوالم العشاق، حيث الألم حلوى، والفراق شعر، والانتظار جنّةٌ مؤجلة. يسن عبد العظيم لم يزرع في دواخلنا حزناً وفرحاً فقط في هذه الأغنية، بل زرع بستاناً من المشاعر، جعل كل من يدخله يترك عقله عند الباب، ويدخل بقلبه فقط!
“حبك نار”: سِفرُ العاشقين الذي أحرق الزمان بنار الشوق
أيها الساهرون على أعتاب العشق، تعالوا نغوص في بحر “حبك نار” حيث يصوغ يسن عبد العظيم أعمق فلسفات الوجد بلغة اللهب والشوق! ها هي الكلمات تشتعل كالبركان: “قُرْبَكْ حَارْ وَبُعْدَكْ حَارْ ذَاتَكْ نُورْ وَحُبِّكْ نَار” ليست هذه أبياتاً تغنى، بل دستورٌ كوني للحب العاصف! المحبوبة هنا ليست بشراً، بل هي ظاهرة فلكية شمسٌ إن اقتربت أحرقت الأجفان، وإن ابتعدت أظلمت الأكوان. نورها يهب الحياة، بينما حبها يُذيب الأعماق!
أما ذلك النداء المُفعم بالوجع: اِخَافْ إنَّو الزَّمَنْ يِنْسِيكْ ذِكْرَايْ … وَالزَّمَنْ غَدَّارْ يَا غَدَّار ْ فهو صرخةٌ في وجه الزمن الجاحد! إنه ليس خوفاً عادياً، بل رعبٌ وجودي من أن تصبح الذكريات كرمادٍ تتلاعب به رياح النسيان. الزمن هنا ليس ساعةً تدق، بل لصٌ متخفٍ في ثوب الأيام!
وتأتي القصيدة لتضرب أعمق: “وَلَا أَطْمَنِي بِلِقْيَاكْ… تَقُولِي الزَّمَنْ دَوَّار”ْ أي لقاء هذا الذي يصبح دوامةً من الألم؟ إنها مفارقة العاشق الذي يعلم أن اللقاء قد يكون الجرح الأعمق، حين تكتشف أن الزمن قد سرق براءة المشاعر!
في هذه الأغنية، يصبح الحب محكمةً كونية:
النار: ليست عقاباً بل وسام شرف
الغدر: ليس خيانة بل امتحان إخلاص
الذكرى: ليست ماضياً بل وقود حاضر
إنها ليست أغنية، بل مملكةٌ من المشتعلات العاطفية، حيث كل كلمة شمعةٌ تضيء درب العاشقين، وكل لحن قبسٌ من نار الجمال! هنا، عند عتبات “حبك نار”، ندرك أن يسن لم يغني عن الحب، بل أشعل النار في قلوبنا لنرى درب المحبة أكثر وضوحاً! فهل من مشتعلٍ آخر يشاركنا هذه الرحلة في مملكة اللهب؟
” عَيْنِي بَالدُّمُوعْ مَلْيَانِي “: سيمفونية العاشق الباكي بألحان من ذهب
أيها الغارقون في بحور الأحزان، تعالوا نعبر مع يسن عبد العظيم إلى عالم حيث الدموع تصبح لغةً، والألم يتحول إلى فنٍ رفيع! ها هو ينسج لنا من ماء العينين قصيدةً تذوب رقةً: “لَيه ما اكتب غنائي بدموعي.. وأمزج بالحزن ألحاني؟” ليست هذه كلمات عادية، بل هي ثورة العاشق على قسوة المشاعر! الدموع هنا لم تعد علامة ضعف، بل أصبحت حبراً مضيئاً يخط به أشجانه على صفحة الوجود. إنه لا يغني، بل ينحت أحزانه بماء الروح، ويصنع من الألم درراً تزين أعناق الذكريات!
وعندما يهمس بكل شموخ: “النَّاسْ فِي سَعَادَهْ وَبَهْجَهْ… أَنَا بَحْرِ الْهُمُومْ ضَمَانِي ” فهو لا يشكو، بل يعلن استقلاله عن عالم الزيف! إنه يرفض أن يكون نسخةً من الفرح المزيف، ويختار بكل كبرياء أن يكون محيطاً لأحزانه، حيث الأمواج العاتية تصنع ألحاناً أصدق من كل ضحكات العالم! ثم يسافر بنا يسن إلى أعماق الوجدان ” أَهْرَبْ مِنْ دُنَايَ وَيْنْ أَمْشِي يَا رِيتِ الْأَمَانِي أَمَانِي … طَالْ مَا الدُّنْيَا يَا هَا الدُّنْيَا … طَالْ مَا يَانِي يَانِي أَنَا يَانِي ” تعبّر هذه الأبيات عن مأساة إنسانية عميقة، حيث يجد الشاعر نفسه محاصراً بين رغبة ملحة في الهروب من عالمه البائس وعجزٍ تام عن إيجاد ملاذ آمن. صرخة “وين أمشي” تكشف عن ضياع وجودي مؤلم، بينما تمنياته المحبطة (“يا ريت الأماني أماني”) تعكس فجوة لا تُجسر بين الأحلام والواقع القاسي. تكرار “ياها الدنيا” و”ياني” يتحول إلى ترنيمة حزن تذوب فيها الذات في بوتقة المعاناة، مؤكدةً أن الألم ليس حالة عابرة بل هو مصير لا مفر منه، كأن الدنيا قد تحولت إلى سجن كبير لا مهرب منه ولا خلاص.
في هذه الأغنية، يصبح الحزن فناً راقياً:
الدموع: ليست ماءً بل لآلئ المشاعر
العزلة: ليست وحشةً بل ملكوت الحقيقي
الألم: ليس ضعفاً بل قوة الخالقين
إنها ليست أغنية، بل مملكة بكائية ترفض أن تكون فرحاً زائفاً! هنا، عند عتبات “عيني بالدموع ملياني”، ندرك أن يسن لم يبكِ، بل علمنا كيف نبكي بملكوتية، وكيف نحول دموعنا إلى أشعارٍ تذوب بها النجوم! فهل من عاشقٍ آخر يجرؤ على دخول هذه المملكة، حيث الدموع تاجٌ، والحزن عرشٌ، والوجع أغلى جوهرة في تاج المشاعر؟
ماضي الذكريات”: سِفْرُ الأحزان الذي حوّل الزمن إلى سِجِلٍّ من الجمر
تعالوا نعبر مع يسن عبد العظيم إلى مملكة الذكريات، حيث تصبح اللحظات سكاكين، والأيام محاكمات! ها هو يصرخ بكل ما في الروح من شجون: “تَكْتُبُوا خَلَا مَاضِي الذِّكْرِي.. تَرْتَاحُ فِي الغَرَامِ مَلْهُوفْ ” ليست كلمات عابرة، بل صاعقة تكشف زيف الذكريات! بينما يلهو الآخرون بأمسهم، يصبح ماضيه سجناً من المشاعر المسلولة، كل ذكرى فيه سكين جديدة تغوص في خاصرة القلب!
أما تلك الصورة البليغة: ” “مَا عَارِفِين حِبَالِ الذِّكْرِي تِنْجَرْ فَوْقَ قَلْبِي سُيُوفْ ” فإنها تخلق مشهداً أسطورياً حيث الذكريات لم تعد صوراً، بل جيوشاً مسلحة بسيوف الغدر! القلب هنا ليس عضواً، بل ساحة معركة تدكها سنابك الخيول! وتأتي القصيدة لتضرب أعمق: ” “بَقِيتْ أَشْتَاقْ وَأَحِنّْ لِلِّيْلْ أَقُولْ يُمْكِنْ خَيَالًا يَطُوفْ” أي ليل هذا الذي يصبح مملكة للوحدة؟ إنه ليس ظلاماً، بل مرآة تعكس أشباح الماضي، حيث كل نجمة جرح مضيء في جبين الذكرى!

في هذه الأغنية، يصبح الفراق ديواناً شعرياً:
الذكريات: ليست ماضياً بل حاضراً دامياً
الليل: ليس زمناً بل متاهة مشاعر
الحب: ليس شعوراً بل زلزالاً وجودياً
إنها ليست أغنية، بل مذكرات عاشق غريق، كل كلمة فيها موجة تغرقه في بحر الماضي، وكل لحن دوامة تثقل قدميه بأغلال الذكرى! هنا عند أسوار “ماضي الذكريات”، نكتشف أن يسن لم يغني عن الفراق، بل حفر بأظافره جرحاً في جدار الزمن، ليعلمنا أن بعض الذكريات ليست ذاكرة، بل هي جحيم لا ينطفئ! فهل من جريء يكمل هذه الرحلة في متاهات الماضي الأليم؟
الخاتمة: يسن عبد العظيم.. فيلسوف الألم والموسيقى
لم يكن يسن مغنياً عادياً، بل كان شاعراً وجودياً، حوَّل الأغنية السودانية إلى مختبرٍ لتحليل الروح. كلماته ليست كلمات، بل أشلاءُ قلبٍ مُعلَّق على أوتار الطنبور.
“أموت أحسن من هي تزعل… أو تزرف دمعة كابي” هذه ليست مجرد كلمات، بل هي مانيفستو العاشق الذي يرفض أن يكون سبباً في حزن محبوبته، حتى لو كان الثمن هو فناؤه.
في النهاية، يسن عبد العظيم لم يمت، لأنه خلّد نفسه في كل دمعةٍ تُسكب، وفي كل قلبٍ يُغنّي على إيقاع الطنبور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى