منوعات

د.أيمن محجوب عبد الله محمد يسين عبد العظيم: أسطورة الطنبور الذي غنى الموت فأبدع الخلود

د.أيمن محجوب عبد الله محمد يسين عبد العظيم: أسطورة الطنبور الذي غنى الموت فأبدع الخلود

د.أيمن محجوب عبد الله محمد يسين عبد العظيم: أسطورة الطنبور الذي غنى الموت فأبدع الخلود

أ. عبد المنعم محجوب عبد الله محمد
في عالم الفن الشعبي الأصيل، يبرز اسم الراحل يسن عبد العظيم كواحد من أبرز رواد فن الطنبور، ذلك الفن الذي يعتمد على العزف على آلة الطنبور الوترية، والتي تشبه الربابة لكنها تحمل نغماً خاصاً يميزها. كان يسن عبد العظيم مبدعاً متفرداً، وصاحب مدرسة فنية راقية، استطاع من خلالها أن يعيد للطنبور حيويته وجماله، محافظاً على الأصالة مع إضافة لمسات عصرية جعلت فنه يتجاوز الحدود التقليدية.
في قلب منطقة البديرية بشمال السودان، وتحديداً منطقة العفاض، وُلد الفنان يسن عبد العظيم عام 1956 في بيئة فنية عريقة. جاءت موهبته الفنية تتويجاً لإرث عائلي ممتد:
جده: الشاعر الشعبي المعروف عبد الله ود الكعيد
خاله: الفنان حسن جديله، رائد أغاني الطنبور في المنطقة خلال ستينيات القرن الماضي
نشأ يسن في هذا المناخ الفني الثري، حيث تفتحت موهبته الموسيقية مبكراً. بحلول عام 1975، انتقل إلى الخرطوم وهو في الثامنة عشرة من عمره، حاملاً معه:
آلة الطنبور التي أتقنها بإحكام
تراثاً غنائياً متجذراً في شمال السودان
رؤية فنية تجمع بين الأصالة والتجديد
التكوين الفني المبكر:
تلقى يسن عبد العظيم تكوينه الفني الأول من خلال:
البيت العائلي: حيث تشرب التراث الغنائي من جده وخاله
البيئة المحلية: تأثر بفنون منطقة البديرية وثقافتها
الموهبة الفطرية: التي ظهرت في قدرته المبكرة على العزف والتلحين
الانتقال إلى الخرطوم:
مثلت هجرة يسن إلى العاصمة الخرطوم عام 1975 منعطفاً حاسماً في مسيرته، حيث:
احتك بتيارات فنية متنوعة
طور أسلوبه الخاص في أداء الطنبور
بدأ في تكوين قاعدة جماهيرية واسعة
أسس لمشروع فني تجديدي يحافظ على الأصول
مدرسة فنية متفردة:
يُعتبر يسن عبد العظيم علامة فارقة في فن الطنبور، حيث تميز بأسلوبه الخاص الذي جمع بين العمق التراثي والحداثة في الأداء. كان صوته ندياً صافياً، وقدرته على التلاعب بالكلمات والألحان تجعله أشبه بشاعر يروي القصص عبر الألحان. وقد قارنه الكثيرون بالفنان الكبير مصطفى سيد أحمد، نظراً لبراعته في اختيار الكلمات العميقة التي تحمل معانيَ إنسانية وقيمية.
في زمن كثر فيه المغنيون الذين غابت وضوح مخارج كلماتهم، جاء يسن عبد العظيم ليعيد للفن الشعبي رونقه، حيث كان أداؤه واضحاً، وكلماته مفهومة، مما جعله قريباً من الجمهور. لقد نجح في نشر أغاني الطنبور في أوساط مختلفة، وحقق انتشاراً واسعاً بفضل بساطته وعمقه في الوقت نفسه.
روائع يسن عبد العظيم: تحليل معمق لأشهر أعماله
“ليل الغلابة”: أنشودة المهمشين
تُمثل أغنية “ليل الغلابة” تحفة فنية جمعت بين عمق النص الشعري لإبراهيم ابنعوف والأداء المؤثر ليسن عبد العظيم. في البيت الشهير:

“يا الله يا ليل الغلابة ولمني
ولفني وابلعني في جوفك هناك وضمني”
يظهر استخدام مكثف لاستعارة الليل ككيان يحتضن المعذبين. كلمة “الغلابة” تحمل دلالة اجتماعية عميقة، تعبر عن الفقراء والمهمشين. الفعل “ابلعني” يوحي برغبة في الاختفاء الكامل داخل هذا الليل، بينما “ضمني” تعكس حاجة ماسة للحماية.
“يا أعز إنسان”: ترنيمة الحب والهوية
في هذه الأغنية، يقدم يسن رؤية للحب تتجاوز العلاقة الشخصية لتمس الانتماء الوطني:
“يا أعز إنسان لي… أنا يا أعز إنسان”
“ماني غريب عليك يا عاشقك الهيمان”
“جيتك من سجون الريد بدور لي ضمان”
يستخدم الشاعر هنا أسلوب المخاطبة المباشرة لخلق حميمية مع المتلقي. كلمة “الهيمان” تحمل معنى العاشق المتيم، لكنها في السياق السوداني تأخذ دلالة أعمق تعبر عن التعلق الوجودي بالوطن.
“بت العرب النوبية”: ملحمة الهوية المزدوجة
هذه الأغنية تُشكل دراسة اجتماعية عميقة في قالب فني. في المقطع
“يا بت العرب النوبية
يا بت النوبة العربية
يا فردة نخوة بجاوية”
يبرز التناقض الهوياتي الذي يعيشه الإنسان السوداني بين الانتماء العربي والأفريقي. كلمة “فردة” تشير إلى التفرد والتميز، بينما “نخوة” تعكس القيم العربية الأصيلة.
المقطع التالي:
“خرزات السبحة أمريكية ..
خصل الموكيت إيطالية
دفتر شيكاتاً ربوية ..
في الجيب
والسيرة النبوية”
يقدم نقداً لاذعاً للازدواجية في المجتمع، حيث يجسد التناقض بين المظاهر المادية المستوردة والقيم الدينية الأصيلة. استخدام المفارقة هنا بارع، حيث يعرض التناقض بين المظاهر الخارجية والجوهر الداخلي.
الأبعاد الفنية للروائع
تميزت هذه الأعمال بعدة خصائص فنية:
البناء الدرامي: تتبع الأغاني حبكة درامية تبدأ بالوصف وتنتهي بالحل أو التساؤل
الرمزية: استخدام الرموز المحلية (كالليل، النوبة، السبحة) لتعميم التجربة
الإيقاع الداخلي: تناغم الألفاظ مع الإيقاع الموسيقي للطنبور
الحوارية: أسلوب الخطاب المباشر الذي يخلق حواراً مع المتلقي
فن يتجاوز الزمان:
ما يجعل هذه الروائع خالدة هو قدرتها على تجسيد الهم الإنساني العام من خلال خصوصية التجربة السودانية. لقد نجح يسن في تحويل الطنبور من آلة موسيقية إلى وسيلة للتعبير الفلسفي، حيث تتحول النغمات إلى كلمات والكلمات إلى مشاعر يعيشها المستمع وكأنها جزء من سيرته الذاتية. هذا العمق هو ما جعل أعماله تقاوم عوامل الزمن، لتظل حية في الذاكرة الجمعية للأمة.
رحيل مبكر.. وفن خالد
غادر يسن عبد العظيم الدنيا في سن مبكرة في العام 1987، تاركاً وراءه إرثاً فنياً غنياً، لكن شهرته لم تكن بحجم موهبته بسبب رحيله المفاجئ. ومع ذلك، يظل اسمه مخلداً في ذاكرة محبي الفن الأصيل، حيث كان مدرسة فنية متكاملة، وزهرة تفوح عطراً في بستان الغناء الشعبي.
لقد أعاد يسن عبد العظيم للطنبور مكانته، وأثبت أن الفن الأصيل يمكن أن يكون معاصراً دون أن يفقد روحه. رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، وسيبقى صوته وشخصيته علامة مضيئة في تاريخ الفن السوداني.
خاتمة: الموت الذي أنتج الخلود
في أغنية “الوداع” التي تعتبر بمثابة وصيته الفنية، يقول يسن:
“وداعا والإله يرعاك اما انا حالي يا ستار”
“ما بقدر اقول أرجاك مخير واحب الأعمار”
“ما دام السبب بي إيدي كيفن ألعن الأقدار”
رحل يسن عبد العظيم مبكراً، لكنه خلد نفسه بفن أصيل تجاوز حدود الزمان والمكان. لقد أثبت أن العمر الفني الحقيقي يقاس بما يتركه الفنان من أثر، لا بعدد السنوات التي عاشها.
ظل يسن عبد العظيم حتى بعد رحيله صوتاً حياً في الضمير الجمعي للسودانيين، شاهدة على أن الفن الأصيل لا يموت بموت صاحبه، بل يظل خالداً في القلوب والذاكرة.
رحم الله الفنان يسن عبد العظيم، هذا العبقري الذي أضاء سماء الفن السوداني بشهاب مبدع، سريع العبور لكنه ترك وراءه نوراً لا ينطفئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى