علي محمد طاهر علام يكتب.. عذرًا جدودنا زمان… الاستقلال الذي لم نُكمل حراسته
علي محمد طاهر علام يكتب.. عذرًا جدودنا زمان… الاستقلال الذي لم نُكمل حراسته

علي محمد طاهر علام يكتب.. عذرًا جدودنا زمان… الاستقلال الذي لم نُكمل حراسته
يحتفل الشعب السوداني اليوم بالذكرى السبعين لاستقلاله المجيد، سبعين عاماً من الحرية والسيادة التي انتزعها الأجداد بدمائهم ونضالهم ووحدتهم، لا مِنّةً من مستعمر ولا هبةً من قوة أجنبية.
هي مناسبة نستحضر فيها الفخر، ونرفع فيها رؤوسنا بتاريخٍ وطني مشرف، ونقول بصدق:
شكرا جدودنا زمان… لأنكم منحتمونا وطنا محرراً، وقراراً سيادياً، وحلماً اسمه السودان.
لكنها – في ذات الوقت – لحظة صدقٍ مؤلمة مع الذات، تفرض علينا أن نقف أمام المرآة ونتساءل:
ماذا فعلنا نحن بإرث الاستقلال؟
وإجابة علي هذا التساؤل، لا نجد عبارة أصدق من أن نقول: عذراً جدودنا زمان.
عذراً جدودنا زمان… لأننا اختلفنا أكثر مما اتفقنا
بعد الاستقلال، لم ينجح السودانيون في تحويل لحظة الإجماع الوطني ضد المستعمر إلى مشروع وطني جامع. سرعان ما انقسمت النخب السياسية، وتنازعت الأحزاب الوليدة السلطة قبل أن تتفق على شكل الدولة، أو على دستور دائم يمثل عقداً اجتماعيا عادلاً بين جميع مكونات الوطن.
فشلنا مبكرا في إدارة التنوع، وتعاملنا مع الاختلاف بوصفه تهديدا لا ثراء، فكانت النتيجة صراعات سياسية مزمنة، وانقلابات عسكرية قطعت المسار الديمقراطي، وأضعفت ثقة المواطن في الدولة.
عذراً جدودنا زمان… لأننا لم نبنِ هوية سودانية جامعة
تركتم لنا وطناً متنوعاً في ثقافاته وأعراقه ولغاته، وكان يفترض أن يكون هذا التنوع مصدر قوة. لكننا عجزنا عن صياغة هوية وطنية تتسع للجميع، فبدل أن يكون السودان وطن المواطنة المتساوية، أصبح ساحة لتنافس الهويات، وصراع الانتماءات، فتعرض كثيرون للتهميش والإقصاء، وتصدعت الروابط الوطنية التي وحّدتكم في معركة الاستقلال.
عذراً جدودنا زمان… لأننا استبدلنا الاستعمار بالاستبداد
ناضلتم ضد حكم أجنبي جائر، لكننا – للأسف – سمحنا بأن ينشأ بيننا استبداد محلي لا يقل قسوة. تداولت السلطة بين أنظمة عسكرية وحكومات ضعيفة، وغابت دولة المؤسسات، وحل حكم الفرد، وتراجعت الحريات، وتآكلت سيادة القانون.
عذراً جدودنا زمان… لأننا أشعلنا الحروب بيننا
بعد الاستقلال، لم يعرف السودان سلاما مستداما. حروب أهلية متطاولة، نزاعات مسلحة، دماء سالت بأيدي أبناء الوطن الواحد، وتشريد ونزوح ومآسي إنسانية ما زالت آثارها حاضرة.
بدل أن نُوجّه طاقاتنا للبناء والتنمية، استنزفنا مواردنا في الصراع، وأضعنا أجيالا كاملة بين السلاح ومخيمات النزوح، حتى عاد الوطن مثقلاً بالجراح.
عذراً جدودنا زمان… لأننا فرّطنا في السيادة والقرار الوطني
كنتم حريصين على أن يكون القرار سودانيا خالصا، لكننا – في لحظات ضعفنا – فتحنا الأبواب للتدخلات الخارجية، حتى بات القرار الوطني في أحيان كثيرة مختطفا، والسيادة منقوصة، والمصالح الوطنية عرضة للمساومات.
عاد الوطن، بشكل أو بآخر، إلى دائرة الوصاية، لا بفعل قوة الخارج فقط، بل بسبب هشاشتنا الداخلية وانقساماتنا.
عذراً جدودنا زمان… لأننا لم نصن مكتسبات الاستقلال
لم نحافظ على ما ورثناه من مؤسسات، ولا على ما تحقق من بنى تحتية، ولا على الرأسمال الاجتماعي الذي صنعتموه بوحدتكم. تدهورت الخدمات، وضعف التعليم، وتراجعت الصحة، وهاجر الكوادر والعقول، واتسعت رقعة الفقر.
أضعنا فرص الريادة، رغم أن السودان يملك من الموارد والإمكانات ما يؤهله ليكون في مقدمة الدول، لا في ذيل الأزمات.
عذراً جدودنا زمان…
لكن الاعتذار وحده لا يكفي.
إن استدعاء هذه الذكرى ليس للبكاء على الأطلال، بل لاستعادة جوهر الاستقلال:
الحرية،
والوحدة،
والمسؤولية،
والإيمان بأن هذا الوطن يسع الجميع.
الاستقلال ليس حدثاً في الذاكرة، بل مشروعا مستمرا، إما أن نُكمله بوعيٍ جديد، أو نفقد معناه تماما.
وفي ذكرى الاستقلال السبعين، يبقى السؤال مفتوحا أمام جيل اليوم:
هل نكتفي بالاعتذار للأجداد، أم نبدأ أخيرا في تصحيح المسار، وبناء السودان الذي حلموا به… وطنا حرا، عادلا، وآمنا لكل أبنائه؟




