تقارير

«هيئة جبال النوبة… عائدة» قصة قرنٍ من القطن، وخطة جديدة من الجنوب إلى الشمال بالآلة والمستثمر والمحاصيل الواعدة

«هيئة جبال النوبة... عائدة» قصة قرنٍ من القطن، وخطة جديدة من الجنوب إلى الشمال بالآلة والمستثمر والمحاصيل الواعدة

«هيئة جبال النوبة… عائدة»

قصة قرنٍ من القطن، وخطة جديدة من الجنوب إلى الشمال بالآلة والمستثمر والمحاصيل الواعدة

—

– الخرطوم:حبيبه الأمين

حين وقف جناح هيئة جبال النوبة الزراعية في معرض وزارة الزراعة الاتحادية بالخرطوم، لم يكن مجرد جناح عرض… كان رسالة.

رسالة تقول إن هيئة غابت طويلاً عن المشهد، عادت من جديد. عادت بتاريخها، وبقطنها، وبزيوتها، وببالاتها المعدة للتصدير. وعادت أيضاً بخطة جديدة تماماً تتجاوز القطن إلى محاصيل لم تعرفها جنوب كردفان من قبل.

في هذا التقرير نروي القصة كاملة، كما رواها الدكتور محمد علي، مدير مكتب الهيئة بمحلية الدلنج، لـ«سياق برس»، في سلسلة حوارات مطولة: من المعرض إلى الحقل، ومن التاريخ إلى المستقبل.

—

أولاً: المشهد… هيئة رجعت

شاركت هيئة جبال النوبة الزراعية في معرض وزارة الزراعة الاتحادية بجناح كان لافتاً للزوار، لأنه لم يعرض منتجات فقط، بل عرض عودة مؤسسة.

وقال الدكتور محمد علي في تصريحات لـ«سياق برس» إن مشاركة الهيئة في المعرض جاءت باعتبارها جزءاً أصيلاً من وزارة الزراعة الاتحادية، ولتوضيح حقيقة واحدة للناس: إن الهيئة رجعت.

وأضاف أن الهيئة جاءت للمعرض لتقول إن لديها محاصيل واعدة ستدخل بها في المرحلة المقبلة، وإنها ليست هيئة للماضي فقط، بل هيئة للمستقبل.

في الجناح، كانت المعروضات تحكي القصة باختصار:

· محصول القطن الخام
· بذرة القطن
· شعرة القطن
· زيوت القطن، ومن بينها زيت الفهد
· شكل البالة المعدة للتصدير، كما تخرج من المكبس جاهزة للأسواق

كان الزائر يقف أمام البالة، فيرى نهاية رحلة طويلة تبدأ من حقل في الدلنج أو لقاوة أو أبو جبيهة، وتنتهي في مصنع أو ميناء تصدير.

—

ثانياً: قرن من القطن… من مديرية الجبال إلى الهيئة

لكي تفهم خطة الهيئة الجديدة، لا بد أن تعود إلى الوراء أكثر من مائة عام.

يقول الدكتور محمد علي إن أول مرة دخل فيها القطن إلى ولاية جنوب كردفان كان سنة 1918، عندما كانت هناك ما يعرف بمديرية الجبال، حيث أدخل الإنجليز التجربة في ذلك العام.

استمرت التجارب من 1918 حتى عام 1922، ثم انتشرت زراعة القطن في الولاية وصارت جزءاً من هوية المنطقة الاقتصادية.

كانت الولاية بها نحو ثماني تفاتيش زراعية، منها تفتيش الدلنج ولقاوة، وتفتيش في شمال كردفان بمنطقة السميح، وهي من التفاتيش التابعة للهيئة في ذلك الوقت.

وكانت الولاية تزرع في ذلك الزمان صنفاً اسمه «البار 45»، وهو من الأقطان قصيرة التيلة، عكس مشروع الجزيرة الذي كان يزرع أصنافاً طويلة التيلة، وهي مفارقة ظلت تميز قطن جبال النوبة عن قطن الجزيرة.

في السابق، كانت المؤسسة تسمى مؤسسة جبال النوبة، وكان الشغل كله في القطن. القطن هو المحصول، وهو الاقتصاد، وهو الموسم، وهو حياة المزارع.

لكن اليوم، يقول الدكتور محمد علي، الهيئة جاءت لتقول إن القطن وحده لا يكفي، وإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تنويع، وإلى محاصيل جديدة، وإلى تفكير مختلف.

—

ثالثاً: الخطة الجديدة بعد الحرب… خريطة مقسومة بعناية

كشف الدكتور محمد علي عن خطة ودراسة جديدة للهيئة بعد الحرب، تقوم على فكرة بسيطة لكنها عميقة: لا تزرع كل شيء في كل مكان، ازرع المحصول الصحيح في المكان الصحيح.

الخطة تقول:

· القطن في المناطق الجنوبية
· المحاصيل الواعدة في المناطق الشمالية، مثل الدلنج والعباسية

والسبب علمي وعملي في الوقت نفسه، وهو المطر.

يوضح الدكتور محمد علي أن القطن يحتاج إلى نسبة أمطار تصل إلى 90 ملم في الموسم، وهي كمية مياه كبيرة تتركز في جنوب الولاية، بينما تتراوح كمية الأمطار في شمال الولاية، في الدلنج والعباسية، بين 35 ملم فقط.

بمعنى آخر، زراعة القطن في الشمال ستكون مغامرة غير محسوبة، وزراعة المحاصيل الواعدة في الجنوب ستكون إهداراً لميزة المطر.

لذلك تم توجيه القطن للجنوب والمحاصيل الواعدة للشمال، في خطة تعيد توزيع الخريطة الزراعية للولاية على أساس المناخ والتربة، وليس على أساس العادة.

ويضيف أن المناطق الجنوبية أراضيها طينية لزجة، وهي أراضٍ صالحة لإنتاج القطن، لكنها أراضٍ لا بد أن تدخلها التقانة الزراعية، ولا بد من إدخال المحاريث الحديثة، لأن التربة الثقيلة لا ترحم الزراعة التقليدية.

—

رابعاً: الثورة الصامتة… بالآلة بدل اليد

إذا كان هناك فصل واحد في قصة الهيئة يستحق أن يروى بالتفصيل، فهو فصل الميكنة.

في موسم 2021، نفذت الهيئة تجربة ناجحة في منطقة مشاريع وافي جنوب التقمة بالدلنج، كانت أول مرة منذ تأسيس المؤسسة ثم الهيئة، يتم فيها استخدام آلة زراعة القطن.

يقول الدكتور محمد علي، وهو يستعيد تلك التجربة بحماس واضح: «زرعنا بها ألف فدان قطن في مشروع وافي، وأعطتنا إنتاجاً عالياً، وقللنا من تكلفة التقاوي، وقللنا من تكلفة النظافة والحش، وحتى اللقيط كان بصورة سهلة جداً».

الفرق لم يكن بسيطاً، كان فرقاً يغير اقتصاد الموسم كله:

· الزراعة باليد: الفدان الواحد كان يستهلك ما بين 8 إلى 9 كيلو من التقاوي.
· الزراعة بالآلة: الفدان أصبح يأخذ من 2.5 إلى 3 كيلو فقط.

أي أن الآلة وفرت أكثر من ثلثي التقاوي، وقللت تكلفة النظافة والحش، وجعلت النباتات أكثر انتظاماً، واللقيط أسهل.

اللقيط في تلك التجربة تم بالأيدي العاملة النسائية، ولم يتم جلب آلة اللقيط لظروف الحرب، لكن التجربة أثبتت الفكرة: التقانة ليست رفاهية، التقانة هي الحل.

ويؤكد الدكتور محمد علي أن هذه التجربة جعلت الناس تفكر جدياً في إدخال التقانة الزراعية في كل مراحل العمل، من الحرث إلى الزراعة إلى النظافة إلى اللقيط.

—

خامساً: أزمة المحاريث… التربة تنتظر والآلة غائبة

ورغم نجاح تجربة وافي، هناك عقبة كبيرة ما زالت تواجه الهيئة والولاية كلها.

يقول الدكتور محمد علي إن الولاية ككل، سواء وزارة الزراعة أو الهيئة، تعاني من عدم وجود المحاريث.

حتى الآن، يحرث الناس بما يعرف بـ«الديسك العادي»، وهو دخل منذ زمن بعيد للزراعة، لكن الناس تحرث به الآن وهو غير صالح، وهي من الأشياء التي تفكر فيها الهيئة في مستقبلها.

التربة الطينية اللزجة في الجنوب تحتاج إلى محاريث حديثة وقوية، والتربة في الشمال تحتاج إلى تجهيز مختلف، وبدون محاريث، ستظل التقانة ناقصة، وسيظل المزارع يدفع تكلفة أعلى لإنتاج أقل.

هذه الأزمة، كما يراها الدكتور محمد علي، ليست أزمة هيئة فقط، بل أزمة ولاية، وتحتاج إلى تدخل من الدولة ومن الشركاء ومن المستثمرين.

—

سادساً: الدولة والمستثمر… نحن مكتب استشاري

في السنوات الأخيرة، تغير دور الهيئة تماماً في زراعة القطن.

الدولة ابتعدت عن زراعة القطن وتركته للمستثمر والشركات، وتقول للهيئة: «استنى الزول المستثمر»، بمعنى أن يأتي المستثمر الذي لديه أموال لزراعة ألف فدان قطن، وتتعامل معه الهيئة كمكتب استشاري.

يوضح الدكتور محمد علي طبيعة العمل الجديد بقوله: «نحن بنقوم بنعمل، نحن كمكتب استشارة بنعمل الدراسة حقتنا للألف فدان بتاعتك، بعداك بنجي نقول ليك والله الألف فدان دايرة كده ودايرة كده ودايرة كده، إنت بتقوم بتجيب حاجاتك ونحن بنديك الشغل».

بمعنى آخر، المستثمر هو الذي يحدد ما يريده، قائلاً: «إنتو حددوا عاوزين شنو، وأنا أدرسوا عليه»، والهيئة تقوم بدراسة المشروع كاملاً، من التربة والمطر إلى التقاوي والحرث والعمالة والتكلفة، قبل أن يبدأ المستثمر التنفيذ.

وكانت الهيئة تزرع القطن قبل الحرب في المناطق الشرقية، لأنها كانت آمنة نسبياً، في أبو جبيهة وغيرها، وكانت تعمل عبر شراكات مع مستثمرين، وهو نموذج تعتقد الهيئة أنه سيستمر في المرحلة المقبلة، لكن بصورة أكثر تنظيماً وأكثر اعتماداً على التقانة.

—

سابعاً: فول الصويا… الضيف الجديد الذي سيغير كل شيء

من أكبر مفاجآت الخطة الجديدة، دخول محصول فول الصويا إلى جنوب كردفان لأول مرة في تاريخها.

يقول الدكتور محمد علي بحسم: «فول الصويا ده من المحاصيل الواعدة، وأصلاً ما خش جنوب كردفان، قبل كده ما خش كلو كلو جنوب كردفان ما خش، لكن احنا عندنا فكرة ندخل المحصول ده لأنو عندو عائد مادي».

فول الصويا حبوبه صفراء اللون، وشجرته تشبه شجرة اللوبيا العدسية لكنها أقصر منها، وتحمل في قرنها من ثلاث إلى أربع حبات.

ويضيف: «الفول ده عنده نسبة بتاعة 85% بروتين، بروتين ده التغذية، وعملنا خطة نشوفها وبتاعة الصحة دي كويس».

القيمة الغذائية والاقتصادية لفول الصويا تجعله محصولاً استثنائياً:

· يدخل في صناعة لبن الصويا
· اللبن البودرة أغلبيته فيه كمية كبيرة من فول الصويا
· يدخل في حفظ اللحوم
· يدخل في منتجات مثل الهامبرجر
· يدخل في دقيق الصويا
· يدخل في حاجات كثيرة أخرى

لذلك تعتبره الهيئة من المحاصيل الواعدة، التي يمكن أن تحقق عائداً مادياً مجزياً للمزارع والمستثمر، وتكون إضافة جديدة للمحاصيل التي تنتجها الولاية، وتفتح باباً جديداً للصناعات الغذائية.

والهيئة لديها فكرة واضحة لإدخال فول الصويا ضمن المحاصيل الواعدة في المناطق الشمالية، حيث الأمطار أقل، لكن المحصول يتحمل ويعطي عائداً.

—

ثامناً: القوار وزهرة الشمس… محاصيل لها سوقها

لم يتوقف طموح الهيئة عند فول الصويا، بل يمتد إلى محصولين آخرين لهما سوقهما الخاص.

القوار:
يوضح الدكتور محمد علي أن محصول القوار يطلع منه الصمغ بتاع الحلاوة، الذي تشتغل به المصانع، مؤكداً أنه من المحاصيل الواعدة التي تركز عليها الهيئة، لأن له استخداماً صناعياً واضحاً، وسوقاً موجوداً، ويمكن أن يتحول إلى صناعة محلية.

زهرة الشمس:
كما تحدث عن محصول زهرة الشمس، مشيراً إلى أنها تنتج الزيوت، وأنها تزرع هنا في مشروع العلف، في مزرعة العلف في اتجاه هبيلة، في أنجاركو، مؤكداً أن الهيئة دايرة تتوسع في هذه المحاصيل.

زهرة الشمس تعني زيتاً محلياً، وتعني تقليل الاعتماد على الزيوت المستوردة، وتعني محصولاً دورته قصيرة وعائده سريع.

والجانب الحيواني:
إلى جانب المحاصيل، تتحدث الهيئة عن إدخال الجانب الحيواني من أبقار ودواجن، التي ستدخل مع الهيئة في عملها المقبل، لتكتمل الدورة الزراعية الحيوانية، ويصبح المزارع منتجاً للمحصول وللأعلاف وللمنتج الحيواني في الوقت نفسه.

—

إذا جمعت كل هذه الخيوط، ستجد أن الهيئة لا تتحدث عن محصول واحد، بل تتحدث عن نموذج اقتصادي جديد لجنوب كردفان:

· نموذج يعتمد على العلم: ازرع المحصول الصحيح في المكان الصحيح، حسب المطر والتربة.
· نموذج يعتمد على التقانة: بالآلة بدل اليد، لتقليل التكلفة ورفع الإنتاج.
· نموذج يعتمد على الشراكة: الدولة تشرف، الهيئة تستشير وتدرس، المستثمر يمول وينفذ.
· نموذج يعتمد على التنويع: قطن في الجنوب، فول صويا وقوار وزهرة شمس في الشمال، وجانب حيواني يكمل الصورة.

هذا النموذج، إذا نجح، يمكن أن يعيد جنوب كردفان إلى خريطة الإنتاج الزراعي في السودان، ليس كمنتج للقطن فقط، بل كمنتج لمحاصيل غذائية وصناعية لها سوق محلي وعالمي.

—

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى