اعمدة ورأي

حين يسرق البعض فضل الآباء د.أيمن محجوب عبد الله محمد

حين يسرق البعض فضل الآباء د.أيمن محجوب عبد الله محمد

حين يسرق البعض فضل الآباء
د.أيمن محجوب عبد الله محمد

من أغرب ما يمكن أن يواجهه الإنسان في حياته أن يظهر أشخاص يدّعون لأنفسهم فضلاً لم يصنعوه، وينسبون إلى أنفسهم جميلاً لم يقدموه، ثم يكررون ذلك حتى يظن السامع أنهم كانوا شركاء في كل نجاح تحقق. والأعجب من ذلك أن تكون الحقيقة معلومة للجميع، وأن يعلم المدّعون أنفسهم أنهم يرددون أكاذيب لا أصل لها، ثم يستمرون فيها وكأن تكرار الكذب يحوله إلى حقيقة.
لقد أنعم الله عليّ بأب كريم، رحمه الله رحمة واسعة وغفر له وأسكنه فسيح جناته، تحمل وحده أعباء تعليمي منذ أول يوم دخلت فيه الروضة وحتى تخرجي من الجامعة. كان هو السند، وهو الداعم، وهو الذي دفع من ماله وجهده وعرقه ليمنح أبناءه فرصة التعليم والحياة الكريمة. لم يكن إلى جواره في هذا الأمر أحد ممن يتحدثون اليوم عن فضلٍ مزعوم أو إنفاقٍ متخيل.
ومع ذلك، لا يزال هناك من يحاول طمس الحقائق ومصادرة فضل أصحابها، عبر ترديد روايات مختلقة لا تستند إلى دليل ولا يسندها واقع. وقد عملت الأم والأخ البخيل، على مدى سنوات طويلة، على ترسيخ هذه المزاعم في أذهان أبنائهما، لاعتبارات ودوافع دفينة لا تخفى على المتأمل. ومع كثرة الترديد تحولت الأكاذيب في نظرهم إلى ما يشبه الحقائق، حتى باتوا يرددونها بثقة، رغم علمهم التام بأنها تخالف الواقع وتتناقض مع كل ما يعرفه الناس من حقائق ثابتة وشواهد لا تقبل الإنكار.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى قصص من الخيال لا يقبلها عقل ولا يصدقها منطق. فمنهم من يدّعي أنني كنت أتسول من خلال نافذة منزل أخيهم البخيل! ويا للعجب، أي تسول هذا الذي يتم عبر الشباك؟ وأي رواية هزلية هذه التي تصلح للمسرحيات الكوميدية أكثر مما تصلح للواقع؟ إن الإنسان لا يملك أحياناً أمام مثل هذه الادعاءات إلا أن يبتسم ساخرًا من حجم التناقض الذي تحمله.

إن المشكلة ليست في الكذب وحده، بل في الإصرار عليه رغم وضوح الحقيقة. فهناك من يبني حياته على الوهم، ثم يطلب من الآخرين أن يعيشوا داخله. وهناك من يكرر القصة ذاتها عشرات المرات حتى يصدقها هو نفسه، فيتحول من ناقل للكذب إلى مؤمن به.
لكن الحقيقة تظل حقيقة مهما حاول البعض طمسها. والفضل يبقى لأهله مهما حاول المتطفلون سرقته. وما قدمه الآباء لا تمحوه الألسنة الكاذبة، ولا تلغيه الحكايات المختلقة، ولا تنتقص منه الأوهام المتوارثة. رحم الله والدي وغفر له، فقد أدى الأمانة كاملة، وقام بواجبه على أكمل وجه، وسيظل فضله محفوراً في الذاكرة لا تغيره دعاوى المدعين ولا أكاذيب الحاسدين.
أما أصحاب الروايات المختلقة، فليقولوا ما شاءوا، فالشمس لا يحجبها غربال، والحقيقة لا تحتاج إلى صراخ حتى تثبت نفسها، والتاريخ لا يكتبه أصحاب الأوهام، بل تكتبه الوقائع التي يعرفها الناس ويشهد بها الواقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى