اعمدة ورأي

حكايه من حلتنا يكتبها : آدم تبن أزرع جميلا

حكايه من حلتنا يكتبها : آدم تبن أزرع جميلا

حكايه من حلتنا
يكتبها : آدم تبن
أزرع جميلا

لم تكن حرب الخامس عشر من أبريل التى تطايرت قذائفها وطلقاتها وراجماتها فى وسط الخرطوم حدثا عابرا يمر مثل الأحداث الكثيرة التى تمر أمامنا يوما بعد يوم ، فهى حرب ليس مثل الحروب التى حدثت فى بلاد كثيرة شئنا أم أبينا ، فحكاياتها لاتنتهى أبكت وأحزنت وروعت الجميع الرجال والنساء كبارا وصغارا ، دخلت آثارها جميع البيوت وتناثرت شظاياها وملأت الأرض بمخلفاتها الحربية ، علمت الناس أن يتخذوا ساترا يبعدهم من الرصاص والقذائف الطائشه التى تصيبك وأنت فى منزلك ، فهناك المئات من الناس أصيبوا بها فمنهم من مات ومنهم من جرح ومنهم من فقد عقله ، وتمنى الجميع أن تسكت آلة الحرب ، وتعود المدن والقرى بنشاطها وحيوتها وضجيجها وتعود حركة السيارات على الطرقات وهى محملة بالبضائع والمنتجات وتنشط حركة التجارة والبيع والشراء فى الأسواق ويفرح الناس بعودة حياتهم لطبيعتها التى حرموا منها لثلاث سنوات حسوما.

وأظهرت الحرب وجوها غير الوجوه التى كانت معروفة للناس ، وتبدلت مشاعر الناس وأصبح الخوف والرعب يسيطران على الناس فى بيوتهم وأماكن عملهم وفى الطرقات والمشافى ، فالموت مقبل عليهم من كل جانب ، غابت عنهم إبتسامتهم المعهودة وجلساتهم ولقائاتهم الإجتماعية التى يألفونها وتألفها أمكنتها المعروفة ، فى أسواقهم ومنتدياتهم وحدائقهم وملاعب كرة القدم ، تسابق الناس إلى مغادرة أحب الأماكن إليهم ، تركوا بيوتهم التى يأوؤن إليها عندما تشتد عليهم الحياة ويرخى الليل ظلامه وفيها تطمأن قلوبهم وترتاح أجسادهم فيها أسرارهم وذكرياتهم الجميلة التى لاينسونها، فمن لم يغادر مدينته أصبح وحيدا غريبا لايغادر بيته إلا لوقت قصير ثم يعود إليه وهو فى حيرة من أمره أيغادر أم يظل متمسكا بأمل أن تنقشع الظلمة، ويعود أهل المدينة إلى بيوتهم ليفرح معهم بعودتهم التى طال إنتظارها .

وهاهى سنوات الحرب تمضى مسرعة ففيها عاش الناس شدائد وصعاب لم تمر عليهم من قبل ، من مكث فى بيته أو غادره نازحا إلى مكان آخر ، فالمكان ليس مثل مكانه الذى غادره والناس كذلك ينظرون إليه وهم غير مطمأنين له ، فقد تملك الخوف الجميع ودخل الشك فى القلوب ، وتراجعت ثقتهم فى كل قادم حتى أنهم نسوا أن يقفوا بجوارهم فى محنة النزوح ، تركوهم ليواجهوا مصيرهم لوحدهم،وبعضا من النازحين عندما ضاقت بهم السبل قالوا كلمة وقعها صعب على من فى قلبه إحساس بالآخر رددوا قائلين(الدانة ولا الإهانة)، فقد غادرت صفات الإنسانية مثل الرحمة والشفقة والإحسان قلوب أغلب الناس إلا نذرا يسيرا منهم تمسكوا بأخلاقهم التى تشربوها منذ صغرهم ، فلهؤلاء القلة التحايا أجملها (فما جزاء الإحسان إلا الإحسان) ، و(أزرع جميلا ولو فى غير موضعه/ فلن يضيع جميلا أينما زرع) ، فقد زرعتم الحب فى قلوب من وقفتم بجانبهم فهم يذكرونكم بالخير والإحسان أينما حلوا ، فقد أصبحتم شامة فى وسط مجتمعكم وحققتم أخوة الإيمان التى أمرنا بها ديننا الحنيف (إنما المؤمنون إخوة).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى