اعمدة ورأي

بقلم:د. مرتضى عبدالحي محمد أحمد باحث ومهتم بقضايا العمل التطوعي والإنساني أكتوبر 2026م

بقلم:د. مرتضى عبدالحي محمد أحمد باحث ومهتم بقضايا العمل التطوعي والإنساني أكتوبر 2026م

مداخلات وتعليقات المهتمين بالشأن الإنساني علي مقال
من «وزارة جديدة» إلى «منظومة جديدة»

ماذا قالت لنا مداخلات المهتمين بالشأن الإنساني؟

بقلم:د. مرتضى عبدالحي محمد أحمد
باحث ومهتم بقضايا العمل التطوعي والإنساني
أكتوبر 2026م

مقدمة: المقال الذي فتح بابًا أوسع من السؤال

عندما كتبت مقال «وزارة الشؤون الإنسانية والتصالح الوطني: هل نحن أمام بداية جديدة لإدارة التعافي في السودان؟» لم يكن المقصود أن يكون المقال قراءة في خبر متداول أو نقاشًا حول اسم وزارة أو شخصية يمكن أن تتولى حقيبتها.

كان السؤال أكبر من ذلك.

كنت أحاول أن أفتح نقاشًا حول كيف ينبغي أن يدير السودان شؤونه الإنسانية والتعافي وإعادة بناء المجتمعات في مرحلة ما بعد الحرب وكيف يمكن أن ننتقل من عقلية الاستجابة للأزمة إلى بناء منظومة وطنية قادرة على إدارة التعافي واستعادة قدرة المجتمع والدولة على النهوض.

وقد جاءت التعليقات والمداخلات التي أعقبت نشر المقال لتؤكد أن القضية أكبر بكثير من مجرد إنشاء وزارة.

فقد تواصل معي عدد من المهتمين والمهتمات والعاملين والعاملات في مجال العمل التطوعي والإنساني وقضايا السلام ودار نقاش مباشر حول مضمون المقال وموقع الوزارة المقترحة ومستقبل مفوضية العون الإنساني والعلاقة بين الدولة والمنظمات وقضايا النازحين والعدالة والمصالحة والدور الذي قامت به المبادرات المجتمعية خلال سنوات الحرب.

ومن مجموع هذه المداخلات برزت أمامي قناعة أكثر وضوحًا:

إذا كان السودان مقبلًا على مرحلة إنعاش وتعافٍ وإعادة إعمار وتنمية فإن القضية ليست في إنشاء مؤسسة جديدة بقدر ما هي في إعادة بناء المنظومة نفسها.

وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.

أولًا: المداخلات كشفت أن القلق ليس من الوزارة… وإنما من طريقة إدارتها

من أكثر الملاحظات التي استوقفتني ما طرحته إحدى الزميلات حول أن مسمى «التصالح الوطني» قد يكون أكبر من اختصاص وزارة تُعنى أساسًا بالشؤون الإنسانية وتنظيم العمل التطوعي وتنسيقه.

وهذا طرح يستحق التوقف عنده.

فالتصالح الوطني ليس برنامجًا إغاثيًا ولا نشاطًا إداريًا ولا ملفًا يمكن اختزاله في وزارة واحدة.

إنه عملية وطنية معقدة تتصل بالعدالة والحقوق والحكم المحلي والإدارة الأهلية والمجتمع المدني والمؤسسات الدينية والمجتمعية والسلام وإعادة بناء الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.

ولذلك فإن السؤال ليس فقط:

هل يمكن أن يجتمع الملفان في وزارة واحدة؟

بل:

هل توجد رؤية وطنية متكاملة توضّح كيف سيتكامل العمل الإنساني مع مسارات السلام والعدالة والتعافي والمصالحة؟

فإذا كان الجمع بين الملفين سيؤدي إلى تنسيق أفضل وتكامل أكبر فهو أمر قابل للنقاش.

أما إذا أدى إلى تحميل وزارة واحدة ملفات تتجاوز قدرتها واختصاصها فقد نكون أمام توسع في الاسم لا يقابله وضوح في المسؤوليات.

والقاعدة هنا بسيطة:

▪︎ ليس المهم كم ملفًا تجمعه المؤسسة وإنما مدى وضوح المسؤولية عن كل ملف وكيفية التكامل بين المؤسسات المعنية به.

ثانيًا: من «وزارة أم مفوضية؟» إلى «كيف نمنع تضارب الأدوار؟»

من الملاحظات المهمة التي تكررت في النقاش أن السودان لا يحتاج إلى مزيد من المؤسسات بقدر حاجته إلى وضوح العلاقة بين المؤسسات القائمة والجديدة.

وهذا يقودنا مجددًا إلى مفوضية العون الإنساني.

لقد ظلت المفوضية طوال سنوات طويلة إحدى أهم المؤسسات المنظمة للعمل التطوعي والإنساني في السودان وعاشت مثل غيرها من المؤسسات تحولات في التبعية والاختصاص والمرجعية.

واليوم إذا كان هناك اتجاه نحو إعادة ترتيب هذا الملف فإن الخطوة الصحيحة ليست إضعاف المفوضية أو تحويلها إلى مجرد إدارة تابعة لوزارة جديدة خاصة بعد المكاسب التي حققت لها من إستقلالية التبعية الوزارية إلى التبعية المباشرة إلى مجلس الوزراء ومن ثم المجلس السيادي وتحقيق قومية الشأن الإنساني بتبعية المفوضيات الولائية لها وإنما تحديد موقعها واختصاصاتها وعلاقتها بالمؤسسة الوزارية بصورة لا تسمح بالتداخل أو الازدواجية.

فالوزارة في أي تصور مؤسسي حديث يمكن أن تضطلع بوضع السياسات العامة والتخطيط والتنسيق الحكومي وربط العمل الإنساني بالتعافي والتنمية وإعادة الإعمار.

أما المفوضية فيمكن أن تؤدي دورها الفني والتنظيمي والرقابي والتنسيقي المتصل بالأزمات والكوارث والمنظمات والعمل التطوعي والإنساني وحشد الجهود وفق إطار قانوني واضح وشفاف.

▪︎ وبهذا تصبح العلاقة تكاملًا مؤسسيًا لا تنافسًا على الاختصاصات.

والأهم من ذلك أن أي ترتيبات جديدة يجب أن تُترجم إلى إجراءات وقوانين ولوائح واضحة لا أن تبقى مجرد قرارات على الورق.

ثالثًا: هل نستفيد من الدروس التي صنعتها التجربة السودانية؟

من المداخلات التي أراها جديرة بالبناء عليها الإشارة إلى أن كثيرًا من مراحل تطور العمل التطوعي والإنساني في السودان لم تأتِ فقط من القرارات الحكومية وإنما جاءت كذلك من ملتقيات وحوارات مشتركة جمعت العاملين في المجال الإنساني والتنموي من داخل الدولة وخارجها.

وهذه نقطة مهمة للغاية.

فالتجربة السودانية نفسها تقول إن الحوار بين الحكومة والمنظمات والمجتمعات والخبراء ليس ترفًا.

وفي تقديري فإن المرحلة الحالية توفر فرصة لإعادة إحياء هذا التقليد ولكن بصورة أكثر تنظيمًا وواقعية.

نحن بحاجة إلى ملتقى وطني مهني للشؤون الإنسانية والعمل التطوعي والتعافي لا ليكون مناسبة للاحتفال وإصدار التوصيات وإنما منصة حقيقية لمراجعة الواقع ووضع خارطة طريق قابلة للتنفيذ.

ملتقى يجلس فيه:

– ممثلو مفوضية العون الإنساني الاتحادية.
– المفوضيات والجهات الولائية ذات الصلة.
– المنظمات الوطنية.
– المنظمات الأجنبية والإقليمية والدولية.
– المبادرات المجتمعية والشبابية.
– غرف الطوارئ والتكايا والمبادرات التي عملت خلال الحرب.
– الخبراء والأكاديميون.
– ممثلو القطاع الخاص.
– الجهات الحكومية ذات العلاقة بالتخطيط والتنمية والمالية والصحة والتعليم والحكم المحلي والسلام.

▪︎ فالمرحلة القادمة لا تحتمل أن يعمل كل طرف منفردًا.

رابعًا: المطلوب ليس ملتقى آخر… وإنما ملتقى ينتج قرارات

لقد عرف السودان عددًا كبيرًا من المؤتمرات والملتقيات والورش.

لكن المشكلة ليست في قلة التوصيات.

المشكلة في ما الذي يحدث بعد انتهاء الملتقى؟

ولهذا فإن أي ملتقى قادم ينبغي أن يختلف في منهجيته.

لا نحتاج إلى عشرات التوصيات العامة من نوع «ضرورة التنسيق» و«أهمية بناء القدرات».

نحتاج إلى توصيات محددة تقول:

من سيفعل ماذا؟ ومتى؟ وبأي موارد؟ ومن المسؤول عن المتابعة؟

فإذا خرج الملتقى مثلًا بتوصية تتعلق بتبسيط إجراءات تسجيل المنظمات وتقديم الحوافز لها فينبغي أن تحدد الجهة المسؤولة والمدة والإجراء المطلوب.

وإذا أوصى بتفعيل وتعزيز العلاقة بين المفوضية الاتحادية والولايات فينبغي أن يحدد الإطار القانوني والإداري والآليات.

وإذا ناقش التحول الرقمي فينبغي أن ينتهي إلى خطة زمنية واضحة.

وإذا ناقش قضايا النازحين والعائدين فينبغي أن تتحول التوصيات إلى سياسات وبرامج قابلة للتمويل والتنفيذ والقياس.

▪︎ الفرق بين الملتقى الناجح والملتقى التقليدي ليس في عدد المشاركين وإنما في عدد التوصيات التي تتحول إلى إجراءات.

خامسًا: العمل الإنساني لا ينتظر إعادة ترتيب المكاتب

هناك حقيقة يجب ألا تغيب وسط النقاش المؤسسي:

الناس يحتاجون إلى الخدمات الآن.

فالنازح الذي ينتظر المساعدة والأسرة التي تحاول العودة والطفل الذي انقطع عن المدرسة والمريض الذي يحتاج إلى العلاج والمجتمع الذي استقبل آلاف الأسر لا يستطيع أن ينتظر اكتمال الهيكل الإداري الجديد.

ولهذا فإن أي إصلاح مؤسسي يجب أن يسير بالتوازي مع استمرار الاستجابة الإنسانية.

بل أكثر من ذلك؛ يجب أن تكون المرحلة القادمة مرحلة تسهيل وتسريع.

فإذا كنا نتحدث عن إنعاش وتعافٍ وإعادة إعمار فلا يمكن أن تبقى الإجراءات التي تعرقل وصول الموارد والمشروعات إلى المجتمعات على حالها.

نحتاج إلى مراجعة جادة للإجراءات المتعلقة بالتسجيل وإعادة التسجيل والتصديق والرسوم والموافقات والتنسيق والشراكات والتحويلات والاتفاقيات الفنية والجمركية والحركة والوصول الميداني… الخ إتحاديا وولائيا بما يحقق التوازن بين الرقابة الحكومية المشروعة وبين سرعة الاستجابة.

▪︎ الرقابة لا تعني التعطيل والتنظيم لا يعني التعقيد.

وهذه معادلة ينبغي أن تحكم المرحلة القادمة.

سادسًا: ماذا فعل المتطوعون أثناء الحرب؟ وهل سنجد لهم مكانًا في مرحلة التعافي؟

من أكثر المداخلات التي تستحق الوقوف عندها السؤال عن مصير المتطوعين والمبادرات المجتمعية التي ظهرت بقوة خلال الحرب.

وهذا سؤال عادل.

ففي لحظات كثيرة من الحرب عندما تعطلت بعض المؤسسات وتراجعت قدرة كثير من الجهات على الوصول وجد السودانيون أنفسهم أمام مبادرات شبابية وغرف طوارئ وتكايا ومجموعات مجتمعية ومتطوعين حملوا على عاتقهم جزءًا كبيرًا من الاستجابة.

هؤلاء لم يكونوا مجرد «مستفيدين» من العمل الإنساني.

لقد كانوا في كثير من الحالات فاعلين أساسيين في الاستجابة.

ولذلك فإن الانتقال إلى مرحلة التعافي لا ينبغي أن يعني انتهاء دورهم أو استبدالهم بهياكل إدارية جديدة.

بل ينبغي أن يكون السؤال:

كيف نحول الطاقة المجتمعية التي ظهرت أثناء الحرب إلى قوة منظمة ومستدامة في مرحلة السلام والتعافي؟

يمكن أن يتم ذلك عبر بناء القدرات والدعم المؤسسي والتمويل المحلي وربط المبادرات بالمؤسسات الرسمية والمنظمات وتطوير معايير واضحة للشراكة والمساءلة.

▪︎ فالخبرة الميدانية التي اكتسبها هؤلاء خلال سنوات الأزمة ثروة وطنية لا ينبغي إهدارها.

سابعًا: المساعدة الإنسانية حق… لكن العدالة شرط لاستدامة السلام

أثارت إحدى المداخلات قضية أكثر حساسية وهي أن المساعدة الإنسانية قد تفقد معناها إذا ارتبطت بالولاءات السياسية أو العسكرية.

وهذا تحذير مهم.

📌 فالعمل الإنساني يفقد جوهره عندما يصبح وسيلة للمكافأة أو العقاب أو الاستمالة.

المساعدة ينبغي أن تصل إلى الإنسان لأنه محتاج إليها لا لأنه ينتمي إلى منطقة أو قبيلة أو جماعة أو تيار سياسي.

لكن في الوقت نفسه يجب ألا نحمل العمل الإنساني ما لا يستطيع وحده أن يحققه.

فالعمل الإنساني يستطيع أن يخفف المعاناة ويحمي الكرامة ويساعد الناس على استعادة قدرتهم.

لكنه لا يستطيع وحده أن يحل قضايا العدالة أو المساءلة أو الملكية أو الحقوق أو المظالم التاريخية.

وهنا تظهر أهمية الفصل المهني بين المسارات مع تحقيق التكامل بينها.

▪︎ المساعدة الإنسانية ليست بديلًا عن العدالة والمصالحة ليست بديلًا عن الحقوق وإعادة الإعمار ليست بديلًا عن معالجة أسباب النزاع.

كل مسار يحتاج إلى الآخر لكن لكل مسار أدواته ومؤسساته ومهنياته.

ثامنًا: التصالح لا يبدأ من القاعات… بل من حياة الناس

ربما تكون هذه النقطة هي أكثر ما يجمع بين المداخلات المختلفة.

التصالح الوطني ليس مجرد مؤتمر يجلس فيه ممثلو القوى السياسية.

التصالح الحقيقي يبدأ عندما يشعر المواطن أن الدولة تعامله بعدالة وأن حقه في الأمن والخدمة والتعليم والصحة والعمل والحماية لا يتوقف على موقعه الجغرافي أو انتمائه السياسي أو الاجتماعي.

ويبدأ عندما تستطيع الأسرة العودة إلى بيتها وهي تشعر بالأمان.

ويبدأ عندما يستطيع المزارع العودة إلى أرضه.

وعندما يستطيع الطفل العودة إلى المدرسة.

وعندما تستطيع المرأة استعادة مصدر دخلها.

وعندما يجد الشاب فرصة ليبني مستقبله بدلًا من أن يبحث عن طريق جديد للهجرة.

▪︎ لهذا فإن التعافي الاقتصادي والاجتماعي ليس منفصلًا عن المصالحة الوطنية.

بل يمكن أن يكون أحد أهم مساراتها العملية.

تاسعًا: ما الذي نحتاجه الآن؟

بعد كل هذه المداخلات أعتقد أن النقاش يمكن أن ينتقل من سؤال «هل ننشئ وزارة؟» إلى مجموعة أسئلة أكثر عملية:

أولًا: ما السياسة الوطنية التي تحكم العمل الإنساني والتعافي؟

ثانيًا: كيف ستتوزع الاختصاصات بين الوزارة (إذا أنشئت) والمفوضية والولايات والمؤسسات الأخرى؟

ثالثًا: ما الإطار القانوني الذي يضمن استقلالية ومهنية العمل التطوعي والإنساني؟

رابعًا: كيف يمكن تسريع الإجراءات دون إضعاف الرقابة والشفافية؟

خامسًا: كيف تصبح المنظمات الوطنية شريكًا في التخطيط والتنفيذ وليس مجرد منفذ لمشروعات ممولة من الخارج؟

سادسًا: كيف يتم إشراك المبادرات الشبابية والمجتمعية وغرف الطوارئ والتكايا في منظومة التعافي؟

سابعًا: كيف نبني قاعدة بيانات وطنية موثوقة للنازحين والعائدين والمجتمعات المتضررة والاحتياجات؟

ثامنًا: كيف ننتقل من مشاريع الإغاثة قصيرة الأجل إلى برامج التعافي وسبل كسب العيش وإعادة بناء الخدمات؟

تاسعًا: كيف نضمن أن تكون المصالحة قائمة على الحقوق والعدالة وبناء الثقة لا مجرد دعوات عامة للتسامح؟

هذه الأسئلة في تقديري أهم من اسم الوزارة وأهم من اسم الوزير.

عاشرًا: المقترح الذي يمكن أن يجمعنا

من واقع هذا النقاش أرى أن الوقت مناسب للدعوة إلى ملتقى جامع للعمل التطوعي والإنساني والتعافي في السودان تشارك فيه مفوضية العون الإنساني الاتحادية والجهات الولائية والمنظمات الوطنية والأجنبية والإقليمية والدولية والمبادرات المجتمعية والخبراء والقطاع الخاص والجهات الحكومية ذات الصلة.

▪︎ ولا ينبغي أن يكون الملتقى مناسبة بروتوكولية.

بل يمكن أن يبنى حول محاور محددة، من بينها:

1. مراجعة واقع العمل التطوعي والإنساني في السودان وتوطينه.
2. تحديد الاختصاصات والعلاقة المؤسسية بين الجهات الحكومية وغير الحكومية ذات الصلة بالعمل التطوعي والإنساني وإحكام التنسيق بينهم.
3. إصلاح وتبسيط الإجراءات المنظمة لعمل المنظمات.
4. السياسة الوطنية للنزوح والعودة والتعافي.
5. دور المنظمات الوطنية في مرحلة إعادة الإعمار.
6. إدماج المبادرات المجتمعية والشبابية في منظومة التعافي.
7. التحول الرقمي ونظم المعلومات الإنسانية.
8. التمويل والشراكات والحوافز الداعمة للمنظمات والبرامج الإنسانية والتنموية.
9. الربط بين التعافي والسلام والتماسك الاجتماعي.
10. إعداد مصفوفة تنفيذية للتوصيات تتضمن المسؤوليات والجدول الزمني وآليات المتابعة.

▪︎ وهنا يمكن أن يتحول الحوار من مجرد نقاش فكري إلى أجندة إصلاح مؤسسي.

من «النبيذ القديم في أوانٍ جديدة» إلى «عقلية جديدة»

عبارة أحد المتداخلين: «نبيذ قديم في أوانٍ جديدة» ربما كانت من أكثر العبارات اختصارًا للمخاوف التي عبّر عنها البعض.

وهي عبارة تستحق أن نتوقف عندها ليس باعتبارها حكمًا مسبقًا على أي مؤسسة لم تبدأ عملها بعد وإنما باعتبارها تحذيرًا من إعادة إنتاج الماضي.

فالمشكلة ليست في المباني الجديدة.

وليست في تغيير المسميات.

وليست في زيادة عدد الإدارات.

المشكلة تبدأ عندما نحاول إدارة واقع جديد بعقلية قديمة.

السودان الذي سيدخل مرحلة التعافي لن يكون هو السودان الذي كان قبل أبريل 2023.

لقد تغيرت احتياجات الناس وتغيرت طبيعة النزوح وظهرت مبادرات مجتمعية جديدة وتغيرت خريطة العمل الإنساني وتراكمت خبرات ميدانية كبيرة وتغيرت كذلك علاقة المواطن بالمؤسسات.

ولذلك فإن المرحلة الجديدة تحتاج إلى عقلية مؤسسية جديدة.

▪︎ عقلية تقوم على الشراكة بدل الوصاية والبيانات بدل التخمين والسرعة بدل التعقيد والنتائج بدل الإجراءات والمساءلة بدل الغموض والمهنية بدل الولاءات.

كلمة أخيرة: لنجعل النقاش أكبر من الوزارة المحتملة

أود في ختام هذا المقال أن أتقدم بالشكر لكل من قرأ المقال الأول وكتب تعليقًا أو أرسل مداخلة أو اتصل هاتفيًا وشارك برأي أو تجربة.

لقد أكدت لي هذه التفاعلات أن هناك خبرات وطنية كثيرة داخل السودان وخارجه تحمل أفكارًا وتجارب تستحق أن تسمع.

والأهم أن الحوار أثبت أن قضية العمل الإنساني ليست قضية موظفين أو منظمات فقط.

إنها قضية دولة ومجتمع ومستقبل.

ومن هنا فإنني أرى أن الفرصة الحالية ينبغي ألا تضيع في الجدل حول الأسماء والمسميات.

سواء استُحدثت وزارة للشؤون الإنسانية والتصالح الوطني أم أعيد ترتيب المؤسسات القائمة فإن التحدي الحقيقي سيظل واحدًا:

هل نستطيع أن نبني منظومة وطنية لإدارة التعافي أكثر مهنية ومرونة وشراكة واستجابة لاحتياجات الناس؟

وهل نستطيع أن نحول الخبرات التي تراكمت خلال الحرب إلى معرفة وسياسات ومؤسسات؟

وهل نستطيع أن نضع المواطن في مركز هذه المنظومة لا باعتباره مستفيدًا من المساعدة فقط وإنما باعتباره صاحب حق وشريكًا في إعادة بناء وطنه؟

إن السودان لا يحتاج إلى أن يبدأ من الصفر.

لدينا تاريخ طويل في العمل التطوعي والإنساني ولدينا مؤسسات ولدينا كوادر ولدينا منظمات وطنية ولدينا مبادرات مجتمعية أثبتت قدرتها على الصمود ولدينا تجارب يمكن أن نتعلم منها.

ما نحتاجه هو أن نجمع هذه الخبرات ونراجع أخطاءنا بشجاعة ونبني عليها بدل أن نهدمها ونبدأ من جديد كل مرة.

ولذلك ربما يكون السؤال الأهم في هذه اللحظة ليس:

¤ هل نحن أمام وزارة جديدة؟

بل:

¤ هل نحن مستعدون لبناء طريقة جديدة في إدارة الشأن الإنساني والتعافي في السودان؟

فالمؤسسة يمكن أن تتغير بقرار.

أما العقلية المؤسسية فلا تتغير إلا بالحوار والإرادة والإصلاح والمساءلة.

وهنا في تقديري تبدأ البداية الحقيقية.

والله من وراء القصد.

📍مقترح ختامي للنقاش

هل آن الأوان لعقد ملتقى جامع بين مفوضية العون الإنساني الاتحادية ومنظمات العمل التطوعي والإنساني والمبادرات المجتمعية والخبراء والجهات الحكومية ذات الصلة لوضع أجندة عملية لإصلاح وتطوير منظومة العمل الإنساني والتعافي في السودان؟

اعتقد جازما بان هذا الحوار هو الخطوة الأولى ▪︎ في ظل الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة التعافي تحت رعاية مفوضة العون الإنساني الاتحادية بغض النظر حول كيفية إدارتها للملف الإنساني سلبا او ايجابا خلال الفترة الماضية إلا أن ذلك لا ينفي أنها حققت انجازا مهمًا بإصدار قراري تبعية وقومية الشأن الإنساني المشار إليهما آنفًا مما يضمن متابعة وتنفيذ المخرجات والتوصيات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى