الصادق إسماعيل علي يكتب.. نكزة : الأمم المتحدة.. تأشيرة إلى العجز!
الصادق إسماعيل علي يكتب.. نكزة : الأمم المتحدة.. تأشيرة إلى العجز!

الصادق إسماعيل علي يكتب..
نكزة : الأمم المتحدة.. تأشيرة إلى العجز!
* يا لها من معركة عظيمة شغلت الميديا خلال الأيام الماضية! رأينا أن ينقشع غبار المعركة ثم ندلوا بدلونا .
ليس اللغط حول الحرب، ولا حول السلاح الذي يعبر الحدود، ولا حول الاقتصاد الذي ينهار، ولا حول النازحين الذين ينتظرون العودة إلى بيوتهم…
بل حول التأشيرة!
هل تسمح أمريكا لسعادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، بدخول نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة أم لا؟
وكأن مستقبل السودان كله كان مختبئاً خلف موظف في شباك التأشيرات!
* لكن، بعيداً عن كل هذا اللغط، دعونا نسأل السؤال الذي يبدو أن الجميع يخشى الاقتراب منه:
ماذا يستطيع البرهان أن يفعل في الأمم المتحدة؟ والأهم: ماذا تستطيع الأمم المتحدة أن تفعل للسودان؟
لو ذهب الرجل إلى نيويورك، ووقف أمام الجمعية العامة، وقال ما عنده، وفنّد ما يراه ظلماً دولياً وقع على السودان، وتحدث عن الجرائم والانتهاكات التي شهدتها البلاد، ثم عاد إلى الخرطوم…
ماذا بعد؟
هل ستتحرك الأمم المتحدة؟
هل ستوقف الحرب؟
هل ستمنع السلاح؟
هل ستوقف الدول التي تتهمها الخرطوم بدعم أحد أطراف الحرب؟
هل ستعيد النازحين إلى ديارهم؟
هل ستعيد للمواطن أمنه ورزقه وبيته؟
أم ستصفق القاعة قليلاً، وتُلتقط الصور، وتصدر بعض البيانات، ثم يُعاد السودان إلى مكانه المحجوز سلفاً في ثلاجة الملفات الدولية؟
* الأمم المتحدة… أين كنتِ؟
دعونا نسألها ببساطة:
ماذا فعلت الأمم المتحدة أمام حروب شنتها دول عظمى؟
ماذا فعلت عندما احتُلت دول، وسقطت عواصم، وفُرضت إرادات خارجية على شعوب كاملة؟
وماذا فعلت أمام ما جرى ويجري في غزة، حيث امتلأت الأدراج بالقرارات والبيانات، بينما امتلأت الأرض بالدمار؟
المشكلة ليست أن الأمم المتحدة لا تتكلم.
بل إنها تتكلم كثيراً إلى درجة أن الكلام نفسه أصبح وظيفة بدوام كامل!
بيان بعد بيان.
جلسة بعد جلسة.
إدانة بعد إدانة.
ثم…
لا شيء!
وكأن الأمم المتحدة اخترعت معادلة جديدة في العلاقات الدولية:
كلما عجزنا عن إيقاف الجريمة، أصدرنا بياناً أقوى ضدها!
فهل أصبح المطلوب من الضحية أن تشعر بالعدل لمجرد أن أحداً أدان الظلم؟
* صاحب البيت أم حارس الباب؟
والحكاية تصبح أكثر طرافة عندما نصل إلى الولايات المتحدة.
الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة تستطيع أن تجعل تأشيرة رئيس دولة عضو في المنظمة قضية سياسية، بينما تقف المنظمة نفسها في المنتصف وتتحرك عبر القنوات الدبلوماسية.
وهنا يبرز السؤال المحرج:
من صاحب البيت؟
هل الأمم المتحدة هي صاحبة المقر؟
أم أن لها مكتباً محترماً داخل بيت الولايات المتحدة؟
وهل اتفاقية المقر تمنح المنظمة حقها في ممارسة عملها بحرية، أم أن المفتاح يبقى في جيب صاحب العمارة؟
المشهد يصلح لمسرحية ساخرة:
الأمم المتحدة تقول: «لدينا اتفاقية مقر».
وأمريكا تقول: «لدينا تأشيرة».
والسودان يقول: «عندي رئيس يريد الحضور».
والعالم كله ينتظر…
من سيكسب معركة ختم الدخول!
وبعد ذلك يريدون إقناع شعوب العالم بأن النظام الدولي قائم على المساواة والعدالة!
* يا سعادة الفريق أول…
سيدي البرهان،
إذا كان الأمر يتعلق بمجرد حضور بروتوكولي، فالسؤال يستحق التأمل:
هل يستحق كل هذا الضجيج؟
السودان أمام معركة أكبر من مقعد في قاعة الأمم المتحدة.
هناك جيش يقاتل.
وهناك اقتصاد يحتاج إلى إنقاذ.
وهناك ملايين النازحين واللاجئين ينتظرون العودة.
وهناك مدن وقرى تحتاج إلى إعادة بناء.
وهناك نسيج اجتماعي مزقته الحرب ويحتاج إلى ترميم.
وهناك دولة تحتاج إلى أن تستعيد عافيتها ومؤسساتها.
وهناك جبهة داخلية تحتاج إلى أن تتماسك.
هذه هي الملفات التي تستحق أن يُستهلك فيها الوقت والجهد.
أما نيويورك…
فيمكن أن تنتظر قليلاً.
فالسودان لا يحتاج إلى أن يقف طويلاً أمام باب الأمم المتحدة، بينما وطنه كله يقف أمام أبواب المستقبل.
* لا نريد أمماً متحدة بالاسم
نحن لا نقول إن السودان لا يحتاج إلى العالم.
بل العكس.
السودان يحتاج إلى علاقات دولية واسعة، وإلى حضور دبلوماسي نشط، وإلى مخاطبة المجتمع الدولي، وإلى بناء تحالفات ومصالح مع الدول كافة.
لكن الفرق كبير بين أن تتعامل مع العالم بعقل سياسي مفتوح، وبين أن تجعل خلاص وطنك معلقاً على ما إذا كان باب الأمم المتحدة سيفتح لك أم سيُغلق.
فإذا كانت الأمم المتحدة تريد أن تكون برلمان العالم، فعليها أولاً أن تقنع العالم بأن صوت الضعيف فيها لا يحتاج إلى إذن من القوي.
وأن القانون لا يتغير حسب وزن الدولة.
وأن العدالة ليست امتيازاً تمنحه الدول الكبرى متى شاءت.
وأن القرارات ليست حروفاً جميلة تُقرأ في القاعات ثم تُترك للشعوب لتدفع ثمن تجاهلها.
وأخيراً…
* ربما كانت أزمة التأشيرة، في حقيقتها، أكبر من تأشيرة.
لقد كشفت شيئاً من عجز النظام الدولي الذي نراه كل يوم ولا نريد أن نعترف به.
منظمة اسمها الأمم المتحدة، لكن الأمم ليست متساوية تماماً.
وقاعة اسمها الجمعية العامة، لكن الجميع يجتمعون، وبعضهم يقرر.
ومجلس اسمه مجلس الأمن، لكن الأمن أحياناً يحتاج إلى من يحميه!
ثم نأتي بعد ذلك لنسأل:
لماذا فقد الناس الثقة؟
يا سادة…
الثقة لا تضيع لأن الشعوب لا تفهم.
الثقة تضيع عندما ترى الشعوب بعينيها أن القانون الدولي يكون شديد الصرامة مع الضعيف، شديد المرونة مع القوي.
ولذلك، يا سعادة الفريق أول البرهان:
إن ذهبت إلى نيويورك فقل ما عندك.
وإن لم تذهب، فلا تجعل السودان يظن أن شيئاً عظيماً قد فاته.
فالمعركة الحقيقية ليست هناك.
المعركة هنا.
في الميدان.
في الاقتصاد.
في إعادة بناء الدولة.
في إعادة النازحين واللاجئين.
في ترميم ما تهدم.
وفي استعادة السودان لعافيته ووحدته وقوته.
* أما الأمم المتحدة…
فليست بحاجة إلى أن نعلن خروج السودان منها حتى نعرف حجم أزمتها.
يكفيها أحياناً أن تنظر إلى نفسها في المرآة.
فإذا وجدت نفسها عاجزة عن فتح بابها لرئيس دولة عضو، فكيف ستفتح أبواب العدالة لشعب كامل؟
تلك هي النكزة…
والباقي على باب التأشيرات!
دمتم … سآلمين … آمنين … تآمين … لآمين ….




