النعمان حبيب الله يكتب.. تنوير_ الفاشر ثم الحساب: كفى وعودًا غربية.. آن للسودان أن ينحاز للشرق
النعمان حبيب الله يكتب.. تنوير_ الفاشر ثم الحساب: كفى وعودًا غربية.. آن للسودان أن ينحاز للشرق

النعمان حبيب الله يكتب.. تنوير_ الفاشر ثم الحساب: كفى وعودًا غربية.. آن للسودان أن ينحاز للشرق
سقوط الفاشر ليس مجرّد معركة انتهت بانتصارٍ أو انكسارٍ، بل هو فصلٌ كامل من مأساة السودان، فصلٌ كُتب بدماء الأبرياء تحت أعين العالم الذي صمت، واكتفى بالبيانات الفاترة والوعود المائعة. حصار الفاشر لعامٍ ونصف كان اختبارًا أخلاقيًا للعالم، فسقط فيه المجتمع الدولي سقوطًا مريعًا.
لم تفِ الأمم المتحدة بقراراتها، ولم تحرّك واشنطن ساكنًا إلا بعد فوات الأوان، ولم تنبس أوروبا ببنت شفة إلا حين انتهت المدينة إلى رماد. بينما كانت قوى دولية وإقليمية تدعم التمرّد بالسلاح والمال والغطاء السياسي، كان السودان يواجه وحده حرب وجود، حربًا هدفها كسر العمود الفقري للدولة.
لقد اتّضح للجميع أن من يتكئ على الغرب ينتظر سرابًا. الوعود الغربية ما عادت تُطعم جائعًا، ولا تحمي سيادة، ولا تبني جيشًا. هي وعودٌ مشروطة بالانصياع، ومبادراتٌ ظاهرها الرحمة وباطنها تفكيك المؤسسات الوطنية. الغرب يريد سودانًا ضعيفًا مقسّمًا، يدار بالريموت من الخارج، تتناوب عليه المنظمات والوسطاء والمبعوثون.
إذن، آن للسودان أن يفتح بوصلته نحو الشرق — حيث الشراكة تُقاس بالمصالح لا بالشعارات. الشرق لا يقدّم نصائح مجانية ولا يفرض وصاية سياسية. روسيا، والصين، والهند، وحتى بعض دول آسيا الوسطى، تملك ما يمكن أن يجعل السودان يقف على قدميه من جديد:
نقل التكنولوجيا العسكرية والتدريب، لبناء جيش وطني محترف قادر على الردع والحماية.
استثمارات في الطاقة والبنية التحتية تُخرج البلاد من دوامة العجز الكهربائي والاعتماد على الخارج.
تطوير قطاع التعدين والنفط عبر عقود عادلة، تحفظ ثروات السودان وتحوّلها إلى قوة اقتصادية حقيقية.
تعاون استخباراتي وأمني يمكن أن يغلق أبواب التسلل والتمرد، ويعيد للدولة سيادتها وهيبتها.
التحوّل شرقًا ليس رفاهية ولا نزوة سياسية؛ بل ضرورة بقاء. بعد أن تآكلت الثقة في الغرب وازدادت التجارب مرارة، لا بد أن تُبنى العلاقات على قاعدة “المنفعة المتبادلة والمصلحة الوطنية الصافية”، لا على التبعية والوعود الفارغة.
على صُنّاع القرار في الخرطوم أن يدركوا أن التوازن لا يعني الحياد الدائم، وأن الواقعية السياسية اليوم تقتضي اختيار المعسكر الذي يمنحك أدوات القوة لا أدوات الخضوع.
الشرق اليوم مستعد لمد يده للسودان، لكن علينا أن نمد يدنا بكرامةٍ ووضوح.
نوقّع اتفاقياتنا بشروطنا، ونصوغ مصالحنا بأقلامنا لا بأقلام الآخرين.
كفى وساطةً ممن خذلونا، وكفى انتظارًا لقراراتٍ لا تُنفَّذ.
الفاشر كانت الدرس القاسي الأخير — ومن بعده يجب أن نختار طريقًا واضحًا لا عودة منه: طريق القوة، طريق الشرق، طريق من لا يبيع سيادته مهما كانت المغريات.




