اعمدة ورأي

الصادق إسماعيل علي يكتب.. نكزة : من يحكم السودان؟ أم كيف يُحكم السودان؟

الصادق إسماعيل علي يكتب.. نكزة : من يحكم السودان؟ أم كيف يُحكم السودان؟

الصادق إسماعيل علي يكتب..

نكزة : من يحكم السودان؟ أم كيف يُحكم السودان؟

* منذ أن رفع السودان راية الاستقلال، ظل السؤال الذي يشغل السياسيين: من يحكم السودان؟
والغريب أننا، طوال هذه العقود، انشغلنا كثيراً بتغيير الحكام، ولم ننشغل بالقدر نفسه بالسؤال الأهم: كيف يُحكم السودان؟

ولعل هذا هو أصل الحكاية كلها؛ فقد تبدلت الحكومات، وتعاقبت الأحزاب، ورفعت الشعارات، وحملت البنادق، وسقطت الأنظمة… بينما ظل السودان يبحث عن تلك القاعدة الوطنية التي يتوافق عليها أبناؤه جميعاً، فيعرف كل طرف حقوقه وواجباته، ويعرف الحاكم حدود سلطته، ويعرف المواطن أين تبدأ حقوقه وأين تنتهي حقوق الآخرين.

* التأخير الذي لازم السودان في التنمية، وتوفير الخدمات، وتحقيق الرضا العام حول آليات الحكم التي تحقق العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين كافة، مردّه إلى عوامل كثيرة، يأتي في مقدمتها ــ في تقديري ــ عجز النخبة السياسية التي تسلمت راية الاستقلال عن الاحتكام إلى التوافق الوطني لوضع أسس مشتركة تقوم عليها ثوابت وقواعد تحكم علاقة السودانيين بدولتهم وببعضهم بعضاً.

* كان الأجدى أن يكون أول مشروع وطني بعد الاستقلال هو الاتفاق على السودان الذي نريد، لا أن يكون الصراع الأول هو: من يحكم السودان؟
وليس بعيداً عن التجربة السودانية أن تنظر الأمم إلى لحظات أزماتها الكبرى فتبحث عن قواعد جديدة تحفظ وحدتها وتمنع تكرار الصراع. فالولايات المتحدة، مثلاً، خرجت من حرب أهلية دامية إلى مرحلة أعادت فيها ترتيب قواعد الدولة والعلاقة بين مكوناتها.

* أما نحن، فقد بدا في كثير من المراحل أن الكسب الحزبي كان مقدماً على بناء الوطن، وأن الحزب كان يرى السودان من نافذته الخاصة، لا من نافذة السودان الكبير الذي يسع الجميع.

* ومنذ الاستقلال وإلى يوم الناس هذا، ما زال السودان في حاجة ماسة إلى توافق وطني حول ثوابت ترضي طموح غالب أهله، وتحقق الأمن والاستقرار والتنمية، وتوفر الخدمات الضرورية، وتحفظ استقلال البلاد وسيادتها.

* وهنا يبرز الحوار باعتباره الوسيلة الأكثر أمناً للوصول إلى هذه الغاية.

فالحوار بين المكونات السياسية والاجتماعية ليس ترفاً سياسياً، ولا منحة من حاكم إلى معارض، وإنما هو وسيلة لإنتاج صيغة وطنية تجيب عن السؤال الذي ظل السودان يهرب منه لعقود:

كيف نحكم السودان بطريقة آمنة تحقق الأمن والاستقرار والرفاهية لشعبه؟

وقد شهد السودان في مراحل مختلفة محاولات للحوار الوطني، ومن بينها الحوار الذي قادته حكومة البشير في سنواتها الأخيرة، بغض النظر عن تقييم الناس له ونتائجه. والمغزى هنا ليس الدفاع عن تجربة بعينها، وإنما إثبات أن الحوار، متى اتسعت مائدته، يمكن أن يفتح أبواباً تعجز البندقية عن فتحها.

أما الحوار بالبندقية، فقد جرّبه السودانيون طويلاً، وفي جبهات متعددة.

فماذا كانت النتيجة في الجنوب؟
وماذا كانت النتيجة في النيل الأزرق وشرق السودان وجبال النوبة ودارفور؟

كانت النتيجة مزيداً من الدماء، وضياعاً للمقدرات، وتعطيلاً لمسيرة التنمية التي كانت أصلاً تسير ببطء، وشحاً في الخدمات التي كان المواطن ينتظرها منذ عقود.

فإذا كانت البندقية قد عجزت عن صناعة السودان الذي نريد، فلماذا لا نعطي الحوار فرصة حقيقية؟

أن يتنادى نفر كريم من أهل السودان اليوم لإدارة حوار بين مكوناته، يوقف نزيف الدم، ويقود إلى تراضٍ وطني حول المعادلة التي تحكم البلاد بالرضا والعدل بين مكوناتها، فذلك جهد يستحق التقدير، وهو واجب وطني وأخلاقي قبل أن يكون مكسباً سياسياً.

حوار يحقن الدماء، ويحفظ الأموال والأعراض، ويعيد الأمن والاستقرار، ويحفظ استقلال البلاد وسيادتها، ويفتح الطريق أمام التنمية والازدهار.

والسودان اليوم أحوج ما يكون إلى حوار بين مكوناته السياسية والاجتماعية، لا يستثني أحداً ممن يقبل بقواعد الوطن، ولا يجعل من الحوار حصانةً لأحد من المحاسبة على الجرائم.

فالحوار المطلوب ليس حواراً لتوزيع السلطة، ولا صفقة لتحديد من يجلس على الكرسي.

إنه حوار حول الثوابت الوطنية، وشكل الدولة، وقواعد تداول السلطة، والحقوق والواجبات، والعدالة، والتنمية، والخدمات، والاستقلال والسيادة.

باختصار شديد:

حوار نتيجته ليست: من يحكم؟
وإنما: كيف يُحكم السودان؟

لكن، وكما أن الحوار ضرورة، فإن العدالة ضرورة أيضاً.

فمن ارتكب جرائم في حق المواطنين، أو شارك في قتلهم أو تهجيرهم أو نهب ممتلكاتهم أو انتهاك أعراضهم أو تخريب مقدرات الدولة، لا ينبغي أن يتحول الحوار الوطني إلى وسيلة لإعفائه من المسؤولية.

المحاسبة لا تناقض الحوار، بل تحميه.

ومن هنا فإن تعليق الإجراءات الجنائية في مواجهة من تثبت مشاركته في جرائم خطيرة، تحت ذريعة فتح الطريق أمام حوار لا يستثني أحداً، قد يكون ــ في تقديري ــ خطوة غير موفقة؛ لأنها قد تُفهم على أنها تجاوز لحقوق الشهداء والمتضررين.

نعم للحوار… ولكن لا حوار فوق العدالة.

من أراد أن يلتحق بركب السودان الجديد، فليكن ذلك من بوابة الاعتراف بالوطن وقوانينه وحقوق أهله. أما الجرائم التي ارتُكبت في حق المواطنين، فمكانها الطبيعي أمام القضاء، حيث تثبت المسؤولية أو تنتفي وفق القانون، وحيث يأخذ كل ذي حق حقه.

فليس المطلوب أن نختار بين الحوار والعدالة؛ المطلوب أن نضع كلاً منهما في مكانه الصحيح.

لقد أضاع السودان عقوداً طويلة وهو يبحث عن الحاكم الذي يرضى عنه الجميع، وربما آن الأوان لندرك أن هذا الحاكم لن يأتي.

أما القواعد التي يرضى بها الجميع، فهذه يمكن أن نصنعها نحن.

فلنجرب مرة واحدة أن نتفق على السودان قبل أن نختلف على السلطة، وعلى الوطن قبل الحزب، وعلى قواعد اللعبة قبل اللاعبين.

فربما تكون الإجابة التي ظللنا نبحث عنها منذ الاستقلال بسيطة جداً:

ليس المهم من يحكم السودان…
المهم أن نعرف كيف يُحكم السودان.

دمتم … سالمين … آمنين … تآمين … لآمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى