اعمدة ورأي

علي محمد طاهر علام يكتب.. الامتحان الموحّد .. أم الجباية الموحّدة؟

علي محمد طاهر علام يكتب.. الامتحان الموحّد .. أم الجباية الموحّدة؟

علي محمد طاهر علام يكتب..
الامتحان الموحّد .. أم الجباية الموحّدة؟

في الأزمات الكبرى، تتسابق الحكومات إلى تخفيف الأعباء عن المواطنين، لأن بقاء المجتمع متماسكاً هو أول شروط التعافي وعودة الاستقرار. ولكن حينما تتحول الأزمة نفسها إلى فرصة لفرض المزيد من الضغوط علي المجتمع المنكوب، فهنا يبرز تساؤل مشروع: من يساند المواطن، ومن يثقل كاهله؟

هذا السؤال يفرض نفسه بقوة مع عودة رسوم الامتحان الموحّد بمدارس ولاية الخرطوم، بعد أن ظن الجميع أن هذا الملف قد أُغلق تماما بإلغاءه قبل عدة سنوات. ها هي تطل من جديد ولكن ليس كإجراء تربوي، وإنما جاءت مصحوبة بإلزام صارم للمدارس الحكومية والخاصة بتحصيل رسوم الامتحانات، ومنع أي إعفاءات أو تخفيضات، حتى للحالات الخاصة أو تلك التي أنهكتها الحرب وفقدت مصادر دخلها.

نحن هنا لسنا بصدد الاعتراض على الامتحان في حد ذاته، فالقياس والتقويم جزء أصيل من العملية التعليمية، وإنما الاعتراض على أن يتحول الامتحان إلى وسيلة لتمويل الإدارات التعليمية، وأن يصبح ولي الأمر هو الممول الأول لمؤسسات يفترض أن تمولها الدولة.

في محلية شرق النيل، على سبيل المثال، يدفع الطالب خمسةً وعشرين ألف جنيه، بينما يُطلب من المدرسة توريد سبعة عشر ألف جنيه منها إلى إدارة التعليم في حين أن تكاليف الامتحان الفعلية للطالب الواحد لن تتجاوز خمس ألف جنيه بأي حال من الأحوال. هذه الظاهرة التي حولت المدرسة م قعدن دورها الاساسي ورسالتها التربوية إلى نافذة تحصيل وجباية، وهذا ما لا يليق بالمؤسسات التعليمية ودورها الرسالي.

السؤال الذي ينتظر إجابة واضحة هو: هل أصبحت مكاتب التعليم تعتمد في تسيير أعمالها على الرسوم التي تُحصَّل من الطلاب؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فإننا أمام خلل في فلسفة التمويل قبل أن نكون أمام مشكلة في قيمة الرسوم المقررة نفسها.

الأشد إيلاما أن الشخص الذي يتحمل العبء الحقيقي داخل المدرسة هو المعلم. فهو من يراقب الامتحانات، ويصحح الأوراق، ويعد النتائج، ويقضي ساعات طويلة في إنجاز العمل، بينما يحصل في نهاية المطاف على فتات من الحوافز الرمزية، لا تتناسب مع حجم المسؤولية والمجهود المبذول، في وقت تآكلت فيه الرواتب بفعل الظروف الاقتصادية وضعف الأجور.

أما ولي الأمر، فقد أصبح يحمل فوق كتفيه ما يفوق طاقته. رسوم دراسية، ورسوم امتحانات، ورسوم خدمات، والتزامات معيشية لا تنتهي، في بلد ما تزال الحرب تلقي بظلالها الثقيلة على حياة الناس. وليس من الحكمة أن نضيف إلى هذه المعاناة فاتورة جديدة، ثم نصفها بأنها ضرورة تعليمية.

قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. واليسر ليس قيمة دينية فحسب، بل هو أيضا أساس كل سياسة رشيدة تراعي أحوال الناس.

إن أخطر ما في هذه الرسوم أنها لا تقف عند حدود الأرقام، وإنما تمتد آثارها إلى مستقبل الطلاب. فكل زيادة في تكلفة التعليم تعني أسرة جديدة تفكر في إخراج أحد أبنائها من المدرسة، وطالباً آخر يقترب من دائرة التسرب، ومجتمعا يخسر جزءاً من مستقبله.

التعليم ليس سلعة تُقاس بقدرة الناس على الدفع، ولا ينبغي أن تتحول المدرسة إلى شباك تحصيل، ولا مدير المدرسة إلى جابي رسوم، ولا ولي الأمر إلى خزينة مفتوحة لسد عجز المؤسسات.

إن مسؤولية تمويل التعليم تقع على عاتق الدولة قبل أي جهة أخرى، لأن التعليم خدمة عامة، واستثمار طويل الأجل في أمن المجتمع واستقراره وتنميته. وكل سياسة تجعل استمرار الطالب في مقعده الدراسي رهيناً بقدرته على دفع الرسوم، هي سياسة تستحق المراجعة والإعتراض.

لذلك، فإننا نوجه نداءً صادقًا إلى السيد رئيس مجلس الوزراء، والسيد وزير التعليم والتربية الوطنية، والسيد والي ولاية الخرطوم، للتدخل العاجل وإيقاف رسوم الامتحان الموحّد، وإعادة النظر في آليات تمويل إدارات التعليم بما يحفظ كرامة المدرسة، ويصون مكانة المعلم، ويراعي ظروف الأسر السودانية.

فالمدرسة التي تُخرِّج طبيباً أو مهندساً أو معلماً، لا ينبغي أن تُثقل كاهل أسرته قبل أن تفتح له باب المستقبل.

ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة من أصحاب القرار:
هل نريد أن يكون الامتحان وسيلةً لقياس مستوى الطالب.. أم وسيلةً لقياس قدرة أسرته على الدفع؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى