كتب : الصادق إسماعيل علي نَكْزة : هل كان إلغاء دستور 2005 بداية انهيار الدولة
كتب : الصادق إسماعيل علي نَكْزة : هل كان إلغاء دستور 2005 بداية انهيار الدولة

كتب : الصادق إسماعيل علي
نَكْزة : هل كان إلغاء دستور 2005 بداية انهيار الدولة؟
أحياناً لا تبدأ الكوارث بإطلاق رصاصة، وإنما بتمزيق ورقة. وفي السودان، قد تكون أخطر ورقة مُزقت هي دستور عام 2005م؛ لأنه لم يكن مجرد نصوص قانونية، بل كان الإطار الذي ينظم كيفية حكم البلاد ويحفظ استمرار الدولة مهما تبدلت الحكومات.
دستور السودان لسنة 2005م كان خلاصة التجربة الدستورية السودانية منذ الاستقلال عام 1956م. فقد استصحب إيجابيات الدساتير السابقة، وسعى إلى تجاوز كثير من سلبياتها، وأجاب عن أسئلة ظلت تؤرق السودانيين لعقود: كيف يُحكم السودان؟ وكيف تُقسم السلطة والموارد بين أبنائه؟ وكيف تتحقق التنمية المتوازنة بين أقاليمه؟
وأقر الدستور نظام الحكم الاتحادي، مستفيدا من تجارب الدساتير السابقة وباعتباره نظام حكم يناسب بلد مثل السودان متعدد الاعراق والثقافات والجهات ، وحدد مستويات الحكم، وسلطات كل مستوى، وموارده، والعلاقات الرأسية والأفقية بينها، كما نظم المشاركة السياسية على المستويات المحلية والولائية والقومية، ورسم أسس توزيع الموارد بنصوص واضحة، بما يحقق استقرار مؤسسات الدولة واستمرارها.
ومن أكبر الأخطاء التي ارتكبها القائمون على التغيير السياسي في عام 2019م إلغاء هذا الدستور بدوافع سياسية. ولو تم الاحتكام إلى نصوصه لما وصل السودان، في تقديري، إلى ما آل إليه اليوم. مثلا : فقد نص الدستور على الإجراءات الواجب اتباعها عند خلو منصب رئيس الجمهورية، وكان بالإمكان إجراء انتخابات خلال مدة لا تتجاوز ستين يوماً، مع بقاء مؤسسات الدولة قائمة واستمرار عملها بصورة طبيعية. وقد شهدت الجزائر، في الفترة نفسها تقريباً، ظروفاً متشابهة، لكنها سلكت طريق المحافظة على مؤسسات الدولة. فأين أصبحت الجزائر اليوم؟ وأين أصبح السودان؟
إن التجربة أثبتت أن هدم المؤسسات أسهل كثيراً من بنائها، وأن الدول لا تُدار بردود الأفعال، وإنما بالدساتير والمؤسسات. ولذلك فإن إصلاح حال البلاد يبدأ، في تقديري، بالاستناد إلى دستور 2005م لإحياء هيكل الدولة، ومستويات الحكم، والعلاقات بينها، وإعادة تنظيم توزيع السلطة والموارد وفق إطار دستوري واضح.ثم يبني عليه جرحا وتعديلا ، تقيما وتقويما ليحقق لاهل السودان الاستقرار والتنمية والسلام . أما إسقاطه وهدمه لبناء دستور جديد كانت القفذة في الظلام التي نحن فيها الان .
ورغم استمرار الحرب، يبدو أن المزاج السياسي يتجه نحو إنشاء حاضنة سياسية لرئيس مجلس السيادة ليتولى الحكم منفرداً. وفي تقديري، فإن السيد رئيس مجلس السيادة، القائد العام، لا يحتاج إلى أن يحصر نفسه في فئة سياسية دون غيرها. فقد اكتسب مكانة واسعة لدى قطاعات كبيرة من السودانيين، بمختلف اتجاهاتهم السياسية والاجتماعية، من خلال قيادته للبلاد في هذه المرحلة الصعبة. والتخلي عن هذا الرصيد الوطني الواسع لصالح حاضنة محدودة ومنقسمة لا يخدم المستقبل السياسي، بل قد يضع العربة أمام الحصان.
إن من يريد حكم السودان لا يحتاج إلى صناعة حاضنة سياسية جديدة، وإنما يحتاج إلى قيادة البلاد إلى نهاية الحرب بالانتصار ، ثم الاحتكام إلى دستور يعيد بناء مؤسسات الدولة، ويقود إلى انتخابات حرة ونزيهة يختار فيها الشعب من يحكمه. فالدول تُبنى بالدساتير، أما الأشخاص فيذهبون ويبقى الوطن.
ليست كل الثورات تبني أوطاناً، وليست كل الدساتير أوراقاً تُلقى في سلة المهملات. فحين يُهدم الدستور، قد يُهدم معه الوطن كله.
الدستور لا يحمي الحكومات ولكن يحمي الدولة من الحكومات .
وحين يصبح إسقاط الدستور أسهل من تعديله تكون البلاد كلها هي الخاسر الأكبر .
دمتم … سآلمين ….آمنين … تآمين …. لآمين
www.facebook.com/alsadq.asma.yl.ly?




