أ.عبد الستار عباس خليل يكتب.. ربوة وضِفاف الشهادة السودانية.. وثيقة وطن لاتُزوّر وتاريخٌ لا يُشترى
أ.عبد الستار عباس خليل يكتب.. ربوة وضِفاف الشهادة السودانية.. وثيقة وطن لاتُزوّر وتاريخٌ لا يُشترى

أ.عبد الستار عباس خليل يكتب.. ربوة وضِفاف
الشهادة السودانية.. وثيقة وطن لاتُزوّر وتاريخٌ لا يُشترى
◻️في زمنٍ تتبدل فيه الموازين، وتتهاوى فيه القيم أمام أطماع السياسة، تبقى هناك ثوابت لا تمس، وقامات لا تنحني، وإرثٌ لا يُباع في سوق المساومات. وعلى رأس تلك الثوابت تقف *الشهادة السودانية*، شامخةً كجبل مرة، راسخةً كالنيل، عزيزةً كعزة هذا الشعب الذي علّم الدنيا معنى الصبر والصمود.
لقد ظلت الشهادة السودانية على مر العصور محل ثقة لا تتزعزع، وميزاناً دقيقاً يُقاس به العلم، وجواز سفرٍ أكاديمي لا يُرفض على بوابات الجامعات العريقة. هي ليست مجرد ورقة تُمنح في نهاية عام دراسي، بل هي ختمٌ على عقولٍ صُقلت بالجهد، ونفوسٍ رُبيت على الأمانة، وأجيالٍ تشربت العلم من مناهج وضعتها عقولٌ وطنية خبيرة، وصححتها أيادٍ أمينة لا تعرف الغش ولا المحاباة.
*إنها واحدة من أقوى الشهادات على المستويين القاري والعالمي.*
اسألوا عنها جامعات القاهرة والخرطوم وبيروت، واسألوا عنها أكسفورد والسوربون وهارفارد. اسألوا المستشفيات التي يداوي فيها الطبيب السوداني، والمصانع التي يديرها المهندس السوداني، والمحاكم التي يترافع فيها القانوني السوداني. كلهم سيقولون لك: (حامل الشهادة السودانية مميز).
شهادةٌ إذا ذُكرت في محفلٍ علمي وقف لها الحضور احتراماً، وإذا وُضعت على طاولة القبول فُتحت لها الأبواب قبل أن تُفتح الملفات.
لقد شهدت لها كل الأمكنة بالتميز. شهدت لها قاعات الدرس في أدغال أفريقيا وصحاري الخليج، وشهدت لها معامل أوروبا ومختبرات أمريكا. حاملها لا يحتاج إلى تزكية، لأن اسمه مقرونٌ بالجدية، وعقله مقرونٌ بالرصانة، وشهادته مقرونةٌ بالهيبة. فكم من طبيب سوداني أنقذ أرواحاً في أصقاع الأرض، وكم من معلمٍ سوداني محا أمية شعوبٍ بأكملها، وكلهم كانوا يحملون في جيوبهم تلك الوثيقة التي كُتب عليها
(الشهادة السودانية).
*ولن تقدح في ثقتها امتحاناتٌ موازية أقامتها حكومة حميدتي.*
أي عبثٍ هذا؟ أي محاولة بائسة لخلق كيانٍ موازٍ لإرثٍ عمره عشرات السنين؟ إن الشهادة لا تُصنع في الخيام، ولا تُختم بأختام المليشيا، ولا تُمنح بقرارات البندقية. الشهادة السودانية بُنيت على أكتاف معلمين أفنوا أعمارهم في الفصول، ووزاراتٍ تراكمت فيها الخبرة جيلاً بعد جيل، ومناهج راجعها المجمع اللغوي، وكنترولٍ لا تدخله إلا الأيادي المتوضئة بالوطنية. فكيف لامتحانٍ وُلد في رحم الفوضى أن ينافس شهادةً وُلدت في رحم الدولة؟
ستظل الشهادة الثانوية السودانية واحدة من أكثر الشهادات تميزاً، وستظل محافظةً على هذا الإرث منذ إنشائها الذي امتد إلى عشرات السنين. هو إرثٌ مسقيٌ بعرق الطلاب، وسهر الأمهات، ودموع الفرح يوم النتيجة. إرثٌ لا تستطيع أن تمحوه حرب، ولا أن تسرقه مليشيا، ولا أن يزايد عليه ساسة.
*وستظل الشهادة قبلةً لكل من ينشد العلم من دول جوارنا في محيطنا العربي والأفريقي.*
من تشاد إلى إريتريا، ومن جنوب السودان إلى اليمن، يأتي الطلاب ليجلسوا لامتحاناتنا، لأنهم يعلمون أن النجاح فيها يعني أنهم نجحوا في أصعب اختبار. لماذا؟ لأنهم يثقون أن من ينجح في امتحان السودان، ينجح في امتحان الحياة. لقد كانت ولا زالت بوابة العبور الحقيقية نحو المستقبل، لا بوابة عبور سياسي نحو المناصب.
*ولن تكون الشهادة الثانوية مطيةً أو موجةً يركبها الساسة لتحقيق أهدافهم.*
كلا وألف كلا. التعليم أقدس من أن يُستغل، والشهادة أشرف من أن تُسيس، وعقول أبنائنا أغلى من أن تكون وقوداً لمعارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل. من أراد أن يبني مجداً سياسياً فليبنه بعيداً عن فصول الدراسة. ومن أراد أن يصنع شرعيةً فليصنعها بصناديق الاقتراع لا بصناديق الامتحانات المزورة.
أيها السودانيون… حافظوا على شهادتكم كما تحافظون على أعراضكم. فهي عرضكم الأكاديمي، وشرفكم العلمي، وتاريخكم الذي لن يكتبه لكم أحد.
ويا وزارات التعليم في العالم… افتحوا أبوابكم لحاملي الشهادة السودانية، فهم خير سفراء، وأصدق شهادة
على أن هذا البلد الجريح لا يزال ينجب العباقرة رغم الجراح.
*الشهادة السودانية باقية… لأن السودان باقٍ.*
ودمتم




