من “آخر خبر” إلى وداع أخير.. رحيل مجذوب أونسة د.أيمن محجوب عبد الله محمد
من “آخر خبر” إلى وداع أخير.. رحيل مجذوب أونسة د.أيمن محجوب عبد الله محمد

من “آخر خبر” إلى وداع أخير.. رحيل مجذوب أونسة
د.أيمن محجوب عبد الله محمد
رحل الفنان السوداني مجذوب أونسة، لكن صوته ظل معلقًا في ذاكرة الناس كما تُعلَّق النجوم في ليلٍ طويل لا ينطفئ. رحل الجسد، وبقي ذلك الحنين الشفيف الذي كان يتسلل من حنجرته إلى القلوب دون استئذان. كان من أولئك الفنانين الذين لا يغنون بالكلمات وحدها، بل يغنون بالعمر، بالوجع، بالصدق، وبذلك الإحساس السوداني النبيل الذي لا يُشترى ولا يُصطنع.
حين نستمع إلى أغنيته “آخر خبر”، نشعر أننا لا نسمع مجرد أغنية عاطفية، بل نقرأ رسالة قلب مكسور كُتبت بالحبر والدموع معًا. كان مجذوب أونسة يملك قدرة نادرة على تحويل الحزن إلى جمال، والانكسار إلى موسيقى، والدمعة إلى قصيدة تمشي على أقدام اللحن.
“آخر خبر كتبو الجواب … عايز يقول ينسى العذاب” هذه الكلمات لم تكن تُغنى فقط، بل كانت تُعاش. كان يؤديها وكأنه الرجل الذي كتب الخطاب بنفسه، وكأنه عاش كل تفاصيل الفقد والحنين والخذلان.
وفي “أقدار”، بلغ الإحساس ذروته؛ ذلك الانكسار الهادئ الذي لا يصرخ لكنه يوجع أكثر من الصراخ. كان صوته يحمل ملامح الإنسان السوداني البسيط الذي هزمته الحياة مرارًا لكنه ظل محتفظًا بكرامته ومحبته وصفاء قلبه.
“أقدار يا نور عيني … أنا كنت فاكرك لي” كم من عاشق وجد نفسه في هذه الكلمات؟ وكم من قلب موجوع احتمى بصوت مجذوب أونسة في ليالي الوحدة الطويلة؟
أما حين غنى للوطن في رائعة “عزيز أنت يا وطني”، فقد أثبت أن الفنان الحقيقي لا يقف عند حدود العاطفة الشخصية، بل يحمل وطنه في صوته كما يحمل الأم طفلها. لم يكن يغني للوطن كشعار سياسي أو قصيدة مناسبات، بل كان يغني له كحبٍ أبدي يسكن الروح:
“عزيزٌ أنت يا وطني……برغم قساوة المحنِ” فكان صوته أشبه برسالة أمل في زمنٍ تتكاثر فيه الخيبات، وكأن الأغنية تقول إن الأوطان لا تموت مهما اشتدت عليها العواصف.
لقد فقد السودان برحيل مجذوب أونسة واحدًا من الأصوات التي لم تتلوث بالضجيج ولا بزيف الشهرة السريعة. كان ينتمي إلى زمن الفن الجميل؛ زمن الكلمة التي تُحترم، واللحن الذي يعيش، والصوت الذي يدخل القلب بلا استئذان. لم يكن مجرد مغنٍ، بل كان حالة وجدانية كاملة، قطعة من ذاكرة السودان الفنية، وصوتًا يشبه النيل في هدوئه وعمقه وصدقه.
وربما أكثر ما يوجع في رحيل الفنانين الحقيقيين، أننا ندرك متأخرين أنهم لم يكونوا مجرد مطربين، بل كانوا رفقاء لأحزاننا وأفراحنا وأعمارنا. كانوا يرممون شيئًا مكسورًا داخلنا دون أن نشعر. لذلك حين يرحلون، لا نشعر بأننا فقدنا فنانًا فقط، بل نفقد جزءًا من ذاكرتنا الشخصية.
سلامٌ على روح مجذوب أونسة، وسلامٌ على ذلك الصوت الذي سيظل حيًا كلما صدحت مكبرات الصوت بأغنية قديمة، وكلما جلس عاشق وحيد في آخر الليل يستمع إلى “آخر خبر” ويهمس:“حبيتك إنت… وقلبك ما معاي.”




