حينما تتحول لصحافة إلى جريمة من يكتشف الفساد ؟ بقلم* / نوراني محمد عبدالرحمن
حينما تتحول لصحافة إلى جريمة من يكتشف الفساد ؟ بقلم* / نوراني محمد عبدالرحمن

حينما تتحول لصحافة إلى جريمة من يكتشف الفساد ؟
بقلم* / نوراني محمد عبدالرحمن
تمثل الصحافة إحدى أهم روافع المجتمع وأركان السلطة الرقابية، فهي ليست مجرد مهنة لنقل الأخبار، بل رسالة تبحث عن الحقيقة وتسلط الضوء على مواطن الخلل والفساد، وتمنح المواطنين حق المعرفة ومساءلة أصحاب القرار. فالصحفي الحقيقي لا يكتفي بوصف الوقائع، وإنما يمارس دوراً وطنياً وأخلاقياً في كشف التجاوزات والدفاع عن الشفافية وصون المصلحة العامة.
غير أن المشهد يصبح أكثر خطورة حينما تتحول ممارسة العمل الصحفي إلى تهمة، ويصبح كشف الفساد مخاطرة قد تجر صاحبها إلى التضييق أو الترهيب أو الملاحقة. هنا يبرز السؤال الذي لا يمكن القفز فوقه: إذا صمت الصحفي أو خشي أداء رسالته، فمن الذي سيكشف الفساد؟ ومن الذي سيضع الحقائق أمام الرأي العام؟
لقد أثبتت التجارب أن الفساد لا ينمو في بيئة الضوء والشفافية، وإنما يتغذى على الخوف والصمت وغياب الرقابة. لذلك كانت الصحافة الحرة عبر التاريخ عين المجتمع الساهرة، تكشف الخلل وتطرح الأسئلة الصعبة وتدفع باتجاه الإصلاح، لا بدافع الخصومة أو تصفية الحسابات، وإنما انحيازاً للحقيقة وخدمة للصالح العام.
إن تجريم الصحافة أو التضييق عليها لا يعني استهداف الصحفيين وحدهم، بل يمثل خصماً مباشراً على حق المجتمع في المعرفة. فحين تُكمم الأفواه وتُحاصر الأقلام، تتراجع المساءلة وتتوارى الحقائق خلف جدران النفوذ والمصالح، ويصبح الفساد أكثر جرأة على العبث بمقدرات الناس دون خوف من كشف أو محاسبة.
ولا يعني الدفاع عن الصحافة منحها حصانة فوق القانون أو تبرير الأخطاء المهنية، فالمهنية والدقة والالتزام بأخلاقيات النشر تظل أساس العمل الصحفي المسؤول. لكن الفرق كبير بين محاسبة قانونية عادلة تحفظ الحقوق، وبين استخدام القوانين أو النفوذ لتحويل الصحافة إلى منطقة خوف، وإرسال رسالة مفادها أن الاقتراب من ملفات الفساد ثمنه باهظ.
وفي أزمنة الأزمات والحروب تزداد الحاجة إلى الصحافة لا العكس. لأن غياب المعلومة الدقيقة يفتح الباب واسعاً أمام الشائعات والتضليل وتصفية الحسابات. وحين يغيب الإعلام المهني المستقل، تتسع الفجوة بين المواطن والحقيقة، ويصبح الرأي العام أسيراً للروايات المتناقضة والمعلومات المبتورة.
وليس من مصلحة أي دولة أو مؤسسة أن تدخل في خصومة مع الصحافة، لأن النقد المسؤول لا يهدم الدول بل يصحح مسارها، وكشف الخلل لا يضعف المؤسسات بل يمنحها فرصة للمراجعة والإصلاح. أما التعامل مع كل قلم ناقد باعتباره خصماً أو متآمراً، فهو منهج لا ينتج سوى مزيد من الاحتقان وإخفاء المشكلات حتى تستفحل.
إن المعركة الحقيقية ليست بين الصحافة والدولة، ولا بين الصحفي والمسؤول، وإنما بين الشفافية والفساد، بين حق الناس في المعرفة ومحاولات حجب الحقيقة. فالصحفي الذي يبحث عن المعلومة ويفتح الملفات لا يفترض أن يُنظر إليه باعتباره خطراً، بل شريكاً في حماية المجتمع من الفساد وسوء الإدارة واستغلال النفوذ.
ويبقى السؤال قائماً ومشروعاً: ماذا يحدث حين يخاف الصحفي من الكتابة؟ وحين تصبح الحقيقة عبئاً، والسكوت أكثر أماناً من الكلام؟ عندها لا يخسر الصحفي وحده، بل يخسر المجتمع بأكمله أحد أهم خطوط دفاعه عن العدالة والشفافية.
فالصحافة ليست جريمة… والجريمة الحقيقية أن يُترك الفساد بلا من يسائله، وأن تُطفأ مصابيح الحقيقة في زمن أحوج ما يكون فيه الناس إلى الضوء.




