اعمدة ورأي

تنوير النعمان حبيب الله الجبايات.. حين تتحول الدولة إلى خصمٍ لمواطنها

تنوير النعمان حبيب الله الجبايات.. حين تتحول الدولة إلى خصمٍ لمواطنها

تنوير
النعمان حبيب الله
الجبايات.. حين تتحول الدولة إلى خصمٍ لمواطنها
————-
في بلادٍ أنهكتها الحرب وأكل النزوح أعمار أهلها وصارت العودة إلى البيوت المهدمة ضرباً من ضروب التحدي اليومي كان الناس ينتظرون من الدولة أن تخفف عنهم لا أن تمد يدها إلى جيوبهم الخاوية وأن تفتح لهم أبواب الحياة لا أن تنصب على الطرقات مزيداً من نقاط الجباية التي لا ترحم ولا تستحي ولا تراعي حال شعب خرج من تحت الركام يبحث فقط عن لقمة عيش وجرعة أمل
مشهد صاحب لوري البصل لم يكن مجرد شكوى عابرة ولا دموع رجل ضاقت به الدنيا بل كان صورة مكثفة لوجع وطن كامل رجل يعمل ويكدح من أجل أن يصل ببضاعته إلى السوق فإذا به يقع في كمائن الرسوم والجبايات والزكاة والترخيص ورسوم العبور ورسوم الدخول ورسوم لا يعرف لها أصلاً ولا قانوناً ولا منطقاً حتى تحولت رحلته إلى رحلة استنزاف منظم لا علاقة لها بالدولة ولا بالإدارة ولا بالخدمة العامة وإنما علاقة جباة بمواطن أعزل لا يملك إلا الصبر
ثلاثمائة ألف جنيه في طريق بضاعة واحدة هل هذا دعم للإنتاج أم إعلان حرب على المنتجين هل هذه دولة تريد إنعاش الاقتصاد أم دولة تتغذى على عرق البسطاء وتقتات من دم المواطن المسكين الذي لم تترك له الحرب بيتاً ولا مالاً ولا استقراراً
ثم أين قرارات رئيس مجلس الوزراء التي تحدثت عن إيقاف الجبايات وأين توجيهات والي الخرطوم التي ملأت المنابر والتصريحات هل كانت تلك القرارات مجرد حبر على ورق أم أنها مسرحية سياسية لامتصاص الغضب أمام الكاميرات بينما الواقع يسير في اتجاه آخر تماماً المواطن لا يرى القرارات في التلفزيون بل يريد أن يراها على الأرض يريد أن يتحرك دون أن يُنهب يريد أن يعمل دون أن يُذل يريد أن يشعر أن هناك دولة تحميه لا تتكسب من أزمته
الخطير في الأمر أن هذه الجبايات العشوائية لا تقتل المواطن وحده بل تقتل السوق وتدمر حركة التجارة وترفع الأسعار وتفتح أبواب الفساد على مصاريعها لأن كل رسوم إضافية يدفعها التاجر أو صاحب اللوري ستعود مضاعفة على رأس المواطن البسيط الذي يشتري البصلة حبة حبة ويحسب ثمن الرغيفة قبل أن يمد يده إليها
يا سادة إن الدول تبنى بالإنتاج لا بالجبايات وتنهض بتشجيع الناس لا بخنقهم وما يحدث الآن في الخرطوم وبعض الولايات هو عقاب جماعي لشعب دفع فاتورة الحرب كاملة من دمه وماله وصبره ثم وجد نفسه بعد كل ذلك مطارداً بإيصالات التحصيل من كل جهة
خافوا الله في هذا الشعب العظيم هذا الشعب الذي صبر حين انهارت مؤسسات وصابر حين تعطلت الحياة واحتسب وهو يرى وطنه يحترق ثم عاد رغم الجراح ليعمر ويزرع ويبيع ويشتغل فلا تقابلوه بمزيد من الإذلال والنهب المقنن لأن الشعوب قد تتحمل الفقر لكنها لا تحتمل الظلم وعندما يتحول الجابي إلى كابوس يومي فإن الخطر لا يكون على المواطن وحده بل على هيبة الدولة نفسها وعلى ما تبقى من ثقة بين الناس والسلطة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى