اقتصاد

مالية النيل الأبيض….. إدارة أزمة في ظل اختلالات هيكلية

مالية النيل الأبيض..... إدارة أزمة في ظل اختلالات هيكلية

مالية النيل الأبيض….. إدارة أزمة في ظل اختلالات هيكلية

النيل الأبيض:رضا باعو

تكشف البيانات الصادرة عن وزارة المالية بالنيل الأبيض عن نموذج “إدارة أزمة” أكثر منه نموذج تنمية مستدامة. الولاية تحقق نتائج إيجابية على مستوى التحصيل والتنفيذ، لكنها لا تزال محاصرة باختلالات هيكلية ناتجة عن الحرب وتراجع دور المركز.

الصورة الكلية: تحسن في التحصيل وضبط في الإنفاق.

الإيرادات….
– 65.7 مليار جنيه بنسبة 42% من المستهدف السنوي، والتحصيل الفعلي 55.6 مليار جنيه بنسبة 70% من الهدف الربعي. هذا نمو 22% مقارنة بالربع الأول 2025، وهو مؤشر مهم في ظل انكماش النشاط الاقتصادي.
الإنفاق….
– 58.5 مليار جنيه بنسبة 38%، أي أن الولاية أنفقت أقل مما حصلت، مما يدل على ضبط نسبي وتجنب العجز التمويلي.
الدلالة…..
– الولاية نجحت في تعبئة الموارد الذاتية وتعويض جزء من تراجع التحويلات الاتحادية. الاعتماد على “الإجازة المبكرة للموازنة، وتضافر الجهود، والرقابة” يشير إلى أن التحسن إداري أكثر منه هيكلي.

نقاط القوة: كفاءة إدارية واستهداف الأولويات

التركيز على الأولويات…. صرف المرتبات، تسيير الوزارات، دعم الأمن، الصحة، التعليم، المياه، والأسر الضعيفة. هذا يحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي ويمنع انهيار الخدمات الأساسية.
التنمية بالمحليات….
– تنفيذ 77% من المصدق للفترة، مع تفوق محلية ربك بنسبة 97%. هذا يشير إلى قدرة نسبية على تنفيذ المشروعات الصغيرة رغم الظروف. التركيز على المياه، الصحة، التعليم، الطرق، الكهرباء يطابق الاحتياجات الفعلية.
مكافحة التسرب…..
– تفعيل لجان محطات الوقود، ضبط مواعيد العمل، وزيادة الرقابة على التهريب. هذه إجراءات منخفضة التكلفة عالية العائد في اقتصاد هش.
– نقاط الضعف والمخاطر…..
الاعتماد على التحويلات الاتحادية….
– البيان يقر صراحة أن الولاية “تعتمد بنسبة كبيرة” على المركز. مع استمرار الحرب وتدهور إيرادات الدولة، هذا المصدر غير مضمون. أي انقطاع إضافي سيعرض الولاية لصدمة تمويلية.
التضخم وتآكل القيمة….
رغم زيادة الإيرادات بالقيمة الاسمية، التضخم المرتفع وانخفاض الجنيه يعني أن القوة الشرائية الفعلية قد تكون راكدة أو متراجعة. زيادة 22% في الإيرادات لا تعني بالضرورة زيادة 22% في الخدمات المقدمة.
التنمية المحدودة جغرافياً…
الأرقام الكبيرة تركزت في ربك وكوستي. محليات مثل السلام بنسبة 44% فقط تشير إلى تفاوت في القدرة التنفيذية والأمنية.
غياب الاستثمار الإنتاجي…..
– المشروعات المذكورة خدماتية وبنية تحتية صغيرة. لا توجد إشارة لاستثمارات في الإنتاج الزراعي أو الصناعي الذي يمكن أن يوسع القاعدة الضريبية مستقبلاً.
استراتيجية “تنويع مصادر الدخل”: هل هي فعلية؟….
البيان يشير لاعتماد استراتيجية تنويع مصادر الدخل، لكن الأمثلة العملية المذكورة هي: التمويل الأصغر، التأمين الصحي، دعم مشروعات الفقراء، الجهد الشعبي، والجهد الضريبي. هذه كلها إجراءات تحشيد موارد موجودة، وليست خلق قطاعات اقتصادية جديدة.
التنويع الحقي يتطلب استغلال ميزة الولاية النسبية في الزراعة المروية، الثروة الحيوانية، والتعدين. غياب ذلك يعني أن الاستراتيجية لا تزال في مرحلة النوايا.
ما تم إنجازه…..
إدارة مالية جيدة في ظروف استثنائية. الولاية منعت الانهيار المالي، حافظت على دفع المرتبات، وحافظت على الحد الأدنى من الخدمات. هذا في حد ذاته إنجاز يحسب للوزارة.
المخاطر القادمة…
1. استدامة التحصيل مرتبطة بالاستقرار الأمني وعدم تدهور النشاط التجاري.
2. إذا استمرت الحرب، سيتآكل أثر الزيادة الاسمية في الإيرادات بفعل التضخم.
3. الاعتماد على التحويلات الاتحادية يبقي الولاية في وضع هش.
٤. يجب ربط ضبط الإنفاق وزيادة التحصيل بمشروعات إنتاجية ذات عائد سريع في الزراعة والثروة الحيوانية. بدون ذلك، ستبقى الولاية تدير أزمة يوماً بيوم دون الخروج من دائرة الهشاشة.
باختصار: أداء مالي جيد تكتيكياً، لكنه يحتاج لتحول استراتيجي من “إدارة الندرة” إلى “خلق القيمة” إذا أرادت الولاية الخروج من دائرة الأزمة بعد انتهاء الحرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى