اعمدة ورأي

إسماعيل عبد المعين: عبقري اللحن السوداني الذي أدهش العالم د.أيمن محجوب عبد الله محمد

إسماعيل عبد المعين: عبقري اللحن السوداني الذي أدهش العالم د.أيمن محجوب عبد الله محمد

إسماعيل عبد المعين: عبقري اللحن السوداني الذي أدهش العالم
د.أيمن محجوب عبد الله محمد
المقدمة:
عندما تكتب الموسيقى نفسها في سجل الخلود، لا بد أن تمر بأسماء نادرة صنعت مجدها بالنغم، ومن تلك القمم الموسيقية يبرز اسم إسماعيل عبد المعين، العبقري السوداني الذي لم يكتفِ بإبهار وطنه، بل أدهش العالم بلحنه الفريد الذي طلبته البحرية الأمريكية ليكون شعارًا لها. إنه الأب الروحي للموسيقى السودانية، الملحن الذي كسر القيود الجغرافية، ونقل الإيقاع السوداني إلى مصاف العالمية.
النشأة والمراحل الدراسية:
ولد إسماعيل عبد المعين عام 1916 في حلة حمد بمدينة الخرطوم بحري، حيث نشأ وسط بيئة شعبية خصبة بالفن والحكايات الشعبية. كانت جدته «فاطمة فور» أول معلم له في درب الإيقاع والغناء، فزرعت فيه حب الموسيقى عبر الأغاني الشعبية والأحاجي التي كانت تحكيها له.
درس الخلوة في بحري، ثم عمل بالسكة الحديد في عطبرة، لكن شغفه بالموسيقى دفعه للاستجابة لنصيحة الفنان الكبير خليل فرح، فسافر إلى مصر في سن مبكرة والتحق بـ”معهد فؤاد الأول للموسيقى”، وتخرج فيه عام 1933. بعدها واصل دراسته في فرنسا حتى عام 1939، متشربًا بالمدارس الكلاسيكية للموسيقى، ليعود إلى السودان عازفًا وملحنًا ومجددًا.
حياته:
لم يكن إسماعيل عبد المعين فنانًا عاديًا، بل كان مستكشفًا للمجهول في عالم الإيقاع. جاب السودان من شرقه إلى غربه، من شماله إلى جنوبه، بحثًا عن الإيقاعات المحلية الخالصة، وجمع ذخيرة ضخمة من الإيقاعات الشعبية. كانت رحلته عام 1935 إلى مناطق أم بشاير وأم جباير، حيث استمع إلى إيقاع التم تم من نساء يغنين على “الدلوكة”، نقطة تحوّل. عرف أن هذا الإيقاع قدم به سائقي اللواري من غرب السودان، فقام بإعادة توظيفه في موسيقاه، وغيّر به وجه الأغنية السودانية الحديثة.
أناشيده الوطنية:
برز إسماعيل كملحن ملتزم ووطني، حيث ساند مؤتمر الخريجين بتلحين عدد من أناشيده. رغم أن نشيد “صه يا كنار” لم يكن ملائمًا لرؤية المؤتمر، فقد وُفّق بتلحين نشيد “صرخة روت دمي” على إيقاع مارش عسكري، فكان له وقع الثورات في قلب الحركة الوطنية.
كما لحّن النشيد الشهير “واجب الأوطان داعينا”، وأبدع لحنًا عسكريًا بعنوان “كان دروا وما دروا”، وهو اللحن الذي استوقف قائد الأسطول الأمريكي في الأطلسي، الذي طلب أن يكون هذا العمل الشامخ شعارًا رسميًا للبحرية الأمريكية. في عام 1952، سافر عبد المعين إلى طبرق بليبيا، حيث عزفت فرقة البحرية الأمريكية لحنه، لتُفتح أبواب العالمية أمام الموسيقى السودانية بفضل هذا العبقري الفذ.
أنغام خالدة وأصوات خُلدت بها: إرث إسماعيل عبد المعين الموسيقي
قدم إسماعيل عبد المعين عددًا من الألحان التي حفرت مكانها في الذاكرة الوطنية والعاطفية للشعب السوداني، من أبرزها نشيد “صه يا كنار”، ونشيد “صرخة روت دمي”، ونشيد “واجب الأوطان داعينا”، إلى جانب أغنيات عاطفية خالدة مثل “يا حنوني”، و”أسمر جميل”، و”داخل روضة غنا”، و”أيه يا مولاي”، و”ابني عشك يا قماري”، و”يوم بيوم نبيع الكمبة”. هذه الألحان لم تكن مجرد نغمات، بل كانت ثورات وجدانية وثقافية، حملت نبض الشعب السوداني وتنوعه الثقافي، ووجّهت للعالم رسالة عن هوية موسيقية سودانية فريدة.
وامتدت عبقرية عبد المعين لتصل إلى أعذب الأصوات التي شكّلت وجدان المستمع السوداني، وكان من أبرز من تغنوا بألحانه خليل إسماعيل، وعائشة الفلاتية، وإبراهيم الكاشف، وخضر بشير، وسيد خليفة. ومع هؤلاء الفنانين، أصبحت ألحانه خالدة لا يمحوها الزمن، لأنها كُتبت بلغة الإحساس الصادق والانتماء الحقيقي للمجتمع السوداني.
الخاتمة:
إسماعيل عبد المعين لم يكن مجرد موسيقي، بل كان مؤسسة قائمة بذاتها، رجل سابق لعصره، دمج بين الإيقاع المحلي والدراسة الأكاديمية، وبين الأصالة والانفتاح على العالم. لقد كتب اسمه بأحرف من ذهب في سجل الخالدين، وترك إرثًا موسيقيًا لا يقدّر بثمن. إنه فعلاً العبقري السوداني الذي أدهش الأمريكان والعالم، وأثبت أن النغم السوداني قادر على العبور للضفة الأخرى من العالم دون تأشيرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى