اعمدة ورأي

عرفه خواجه تكتب..نقطة:بداية ..من رَحِم “الكرتة” تولد النهضة: كيف حوّل أبناء الليري التراب إلى ذهب.. والذهب إلى تنمية؟

عرفه خواجه تكتب..نقطة:بداية ..من رَحِم "الكرتة" تولد النهضة: كيف حوّل أبناء الليري التراب إلى ذهب.. والذهب إلى تنمية؟

عرفه خواجه تكتب..نقطة:بداية ..من رَحِم “الكرتة” تولد النهضة: كيف حوّل أبناء الليري التراب إلى ذهب.. والذهب إلى تنمية؟

في زمنٍ يبحث فيه الجميع عن التنمية المستدامة، يبدو أن التنمية الحقيقية لم تعد تنتظر الميزانيات الحكومية ولا وعود المانحين؛ بل أصبحت تُصنع من رَحِم الأرض، ومن عرق الكادحين، ومن إرادة مجتمعٍ محليٍّ رفض أن يكون متفرجاً على معاناته، فقرّر أن يكون صانعاً لنهضته.

في القطاع الشرقي لمحلية الليري بولاية جنوب كردفان، لم ينتظر الأهالي قدوم المشاريع من العاصمة، ولم يقفوا مكتوفي الأيدي أمام شُحِّ التمويل وضُعف الخدمات، بل نظّموا صفوفهم، وأنشأوا لجانهم التنموية والإسنادية، وحوّلوا التعدين الأهلي — بكل ما فيه من مشقة ومخاطر — إلى شريان تمويلٍ ذاتيٍّ غير تقليدي، يغذّي 63 مشروعاً تنموياً حيوياً في الصحة والتعليم والزراعة والمياه والطرق.

هذا ليس خبراً عابراً، بل درسٌ في السيادة الاقتصادية المحلية، وفلسفةٌ جديدةٌ في التنمية تقول: “من الكرتة تولد النهضة، ومن مخلفات التعدين تُبنى المدارس والمستشفيات والسدود.”

على مدى سنوات، ظلّ التعدين التقليدي في السودان — والمُسمّى محلياً “التعدين الأهلي” — نشاطاً يدرّ ذهباً وفيراً، لكنه ظلّ بعيداً عن خدمة المجتمعات التي تحتضنه. تُستخرج الثروة، وتُصدَّر، ويبقى المواطن الذي يعيش فوقها أسيرَ الفقر وضُعف الخدمات، بينما تُعاني بيئته من مخلفات “الكرتة” التي تتحول إلى عبءٍ صحيٍّ وبيئيٍّ خطير.

لكن في الليري، تغيّرت المعادلة. فقد قرّرت اللجان التنموية والإسنادية أن تُحوّل “الكرتة” من مأساةٍ بيئية إلى رأس مالٍ تنموي، ومن تلوثٍ إلى تمويل. تمّ إبرام عقود لمعالجة مخلفات التعدين بنسبة استخلاص تبلغ 40% من الإنتاج كذهب خالص، وهو ما يُعدّ بحدّ ذاته إنجازاً في إدارة الموارد، لتصبح الودائع المتاحة في الجهاز المصرفي أكثر من 40 كيلوغراماً من الذهب الخالص، مُوجّهةً بالكامل نحو مشروعات التنمية.

هذا النموذج ليس مجرد إدارة أموال، بل هو إدارة إرادة. هو أن ينتقل المجتمع من موقع المتلقي إلى موقع المُنتِج، ومن موقع المُعتمد على الغير إلى موقع المُعتمد على الذات. وهو ما يُستحق أن يُقال عنه بكل فخر: “أبناء الليري لم يبيعوا ذهبهم.. بل اشتروا به مستقبلهم.”

يستحق أبناء الليري، بكل شرائحهم، تحيةً خاصة. فهذا المجتمع الذي عاش سنواتٍ من الإهمال وضُعف الخدمات، لم يستسلم، بل نظّم صفوفه، وأنشأ لجاناً تنموية وإسنادية قادت مسيرةً من التخطيط العلمي، وعقدت ورشاً استمرت أسبوعين كاملين، بمشاركة واسعة من المهندسين والخبراء وممثلي وسائل الإعلام والإدارة الأهلية والمسؤولية المجتمعية، حتى خرجت خطة استراتيجية متكاملة تمتد لثلاثة أعوام.

هذه اللجان ليست مجرد هياكل إدارية، بل هي مؤسسات مجتمعية مدنية تُمارس التخطيط والتنفيذ والرقابة، وتُترجم التبرعات والعوائد إلى مشاريع على الأرض. وهي نموذجٌ يحتذى به لكل مجتمعٍ سودانيٍّ يرغب في انتزاع تنميته بيده.

من أبرز ملامح هذه الخطة، الاهتمامُ البالغ بقطاع التعليم. فالخطة تشمل صيانة المدارس وإنشائها، وتدريب الكوادر التعليمية، وتأهيل الإدارات المدرسية. والهدفُ واضح: أن يعود التعليم إلى مجانيته الحقيقية، لا أن يكون مجاناً على الورق فقط.

فبفضل نصيب المجتمع المحلي من عوائد التعدين، لن يضطر الأهالي إلى دفع رسومٍ باهظةٍ مقابل تعليم أبنائهم، ولا إلى تحمّل تكاليف صيانة الفصول المدnأو إعادة تأهيلها. هذا ليس ترفاً، بل هو إحقاقٌ لحقّ الطفل في التعليم، وتحويلٌ لشعار “مجانية التعليم” من حبرٍ على ورقٍ إلى واقعٍ ملموس.

وفي القطاع الصحي، تُعدّ الخطة أكثر من ضرورة؛ إنها مسألةُ حياةٍ أو موت. فسكان القطاع الشرقي، بين المواطنين الأصليين والنازحين واللاجئين والرحّل والمعدنين، يحتاجون إلى مستشفيات ومراكز صحية، وكوادر طبية مُؤهَّلة، ومعسكراتٍ صحيةٍ ومحاجرَ تتوافق مع الظروف الحدودية. وكل هذا تم تضمينه في الخطة.

وقد أعلن رئيس لجنة الإسناد، د. محمد ميرغني عبد الرحيم، عن طرح مشاريع قطاع الصحة (المرحلة الأولى العاجلة) خلال الأسبوعين القادمين، بالتنسيق مع خبراتٍ مقتدرةٍ لإعداد الملفات وتقديمها للجهات المانحة. هذه السرعة في التنفيذ تعكس جديةً نادرة، وتُعطي الأملَ لأولئك الذين عانوا سنواتٍ من عدم توفر الدواء والطبيب.

لم تغفل الخطة القطاع الزراعي، بل جعلته ضمن أولوياتها في تخطيط القرى، والفصل بين مناطق السكن والزراعة والتعدين، وتنفيذ الحفائر والسدود وشبكات المياه. فالزراعةُ في السودان ليست نشاطاً اقتصادياً فحسب، بل هي هويةٌ وثقافةٌ وسيادةٌ غذائية.

وإنشاء السدود والحفائر يعني تحويل الأراضي القاحلة إلى حقولٍ خضراء، وتأمين الغذاء للمواطنين، وتوفير فرص عملٍ للشباب. وهو ما يجعل من هذه الخطة مشروعاً شاملاً للنهضة، لا مجرد مشاريع خدمية متفرقة.

وفي ختام هذه المسيرة، وجّه رئيس لجنة التنمية، محمد عمر حامد، رسالةً حاسمةً للقطاع الاستثماري، مؤكداً أن المنطقة آمنة تماماً، وتعمل بها أكثر من 30 شركة تعدين باستقرارٍ وانضباطٍ تامين. كما دعا الحكومة الاتحادية إلى توطين خدمات ملف التعدين في القطاع الشرقي — من مصافٍ ومقرات شركات وفروع بنك السودان — لتفادي مشاق السفر، وتسريع معاملات الاستثمار، وخدمة التنمية المحلية بصورةٍ أكثر كفاءةً وسرعة.

خلاصةُ القول

ما يحدث في الليري ليس مجرد مشروعٍ تنمويٍّ، بل هو ثورةٌ في العقل التنموي السوداني. إنه يُثبت أن التنمية المستدامة ليست حكراً على الحكومة ولا على المنظمات الدولية، بل يمكن أن تُصنع من الداخل، بإرادةٍ شعبيةٍ، ومواردِ محليةٍ، وتخطيطٍ علميٍّ، ومؤسساتٍ مجتمعيةٍ فاعلة.

إنها رسالةٌ لكل السودان: “لا تنتظروا التنمية.. اصنعوها من ترابكم وذهبكم وإرادتكم.”

وتحيةٌ لأبناء الليري، الذين أثبتوا أن الذهب الحقيقي ليس ما في باطن الأرض، بل ما في وعي الإنسان وإرادته.

ولنا عوده…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى