اعمدة ورأي

السودان بعد الحرب بين وهم التغيير وحتمية الصراع على السلطة والثروة بقلم عباس ادريس جعفر

السودان بعد الحرب بين وهم التغيير وحتمية الصراع على السلطة والثروة بقلم عباس ادريس جعفر

السودان بعد الحرب بين وهم التغيير وحتمية الصراع على السلطة والثروة
بقلم عباس ادريس جعفر

منذ اندلاع الحرب في 15ابريل2023 ، دخل السودان مرحلة غير مسبوقة من إعادة تشكيل الواقع السياسي والاقتصادي. لم تعد القضية مجرد نزاع عسكري، بل أصبحت صراعاً مفتوحاً على من يملك القرار، ومن يسيطر على الموارد، ومن يُعاد إنتاجه داخل منظومة الحكم القادمة.
الحقيقة التي يجب أن تُقال دون مواربة هي أن الصراع على السلطة والثروة في السودان لن يتوقف بانتهاء الحرب، بل سيأخذ أشكالاً أكثر تعقيداً وخطورة. لأن ما بعد الحرب ليس سلاماً بالضرورة، بل هو غالباً بداية لمعركة جديدة تُدار بأدوات مختلفة.
في هذا السياق، يبرز خلل عميق في وعينا الجمعي، خاصة وسط الفئات الهشة وبعض الفاعلين في العمل العام، يتمثل في الاعتقاد بأن التغيير يمكن أن يحدث من تلقاء نفسه. وكأن التاريخ يتحرك بدافع الشفقة، أو أن الواقع ينحاز تلقائياً للضعفاء.
هذا وهم خطير.
الفئات الهشة في السودان—من المجموعات السكانية ونازحين، وفقراء، وشباب بلا فرص—ليست فقط ضحية الحرب، بل مهددة بأن تكون خارج معادلة ما بعد الحرب بالكامل. ليس لأنها بلا حقوق، بل لأنها—في كثير من الأحيان—بلا أدوات تنظيم وتأثير.
إن الاعتماد على الأماني، وانتظار “الفرج” دون فعل حقيقي، هو شكل من أشكال الاستسلام المقنّع. فالتغيير لا يُمنح، بل يُنتزع. ولا يتحقق بالدعاء المجرد، بل بالفعل الواعي والمنظم.
الأخطر من ذلك، أن جزءاً من العمل العام في السودان ما زال يُدار بعقلية يومية قصيرة النظر:
نشاط بلا استراتيجية، حراك بلا هدف واضح، وخطاب بلا أدوات ضغط.
وهذا النمط من العمل—رغم صدق نواياه—يُقصي نفسه بنفسه من دوائر التأثير الحقيقي.
في مرحلة ما بعد الحرب، لن يكون هناك مكان للارتجال.
المشهد القادم ستحكمه معادلات قاسية:
من يملك التنظيم… يملك الصوت.
من يملك الرؤية… يفرض أجندته.
ومن يملك القوة—بكل أشكالها—سيعيد توزيع السلطة والثروة وفق مصالحه.
السودان مقبل على إعادة رسم خريطة النفوذ داخلياً وخارجياً.
وستدخل أطراف متعددة لتحديد شكل الاقتصاد، وطبيعة الحكم، وأولويات إعادة الإعمار. وفي ظل هذا الواقع، فإن من لا يملك موقعاً في الطاولة… سيكون على قائمة الانتظار، أو خارج اللعبة تماماً.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام الفئات الهشة ليس فقط في استعادة ما فقدته، بل في إعادة تعريف دورها من متلقٍ للمساعدات إلى فاعل في صناعة القرار.
وهذا يتطلب تحولاً جذرياً في التفكير:
من التمني إلى التخطيط
من التفرق إلى التنظيم
من رد الفعل إلى المبادرة
من العمل الخيري إلى العمل الحقوقي والسياسي الواعي
إن الصراع في السودان اليوم ليس فقط بين قوى مسلحة أو نخب سياسية، بل هو صراع بين وعيٍ يصنع المستقبل، وغفلةٍ تكتفي بانتظاره.
والسؤال الذي يجب أن يواجهه الجميع بصدق:
هل سنكون جزءاً من إعادة تشكيل السودان… أم مجرد ضحايا لنتائجها؟
التاريخ لا يرحم المتأخرين…
ولا يمنح فرصاً مجانية.
ومن ينتظر التغيير… سيفوته.
أما من يصنعه… فهو من سيملك المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى