اعمدة ورأي

عرفة خواجة تكتب.. نقطة بداية.. هيئة المواصفات في قلب المعركة: من انتشال المستهلك من براثن السلع الفاسدة إلى غرس ثقافة السلامة في عقول الأطفال… “أحباب المواصفات”.. عندما تتحول أرقام الجودة إلى قصص تسبق العيد إلى بيوت السودانيين

عرفة خواجة تكتب.. نقطة بداية.. هيئة المواصفات في قلب المعركة: من انتشال المستهلك من براثن السلع الفاسدة إلى غرس ثقافة السلامة في عقول الأطفال... "أحباب المواصفات".. عندما تتحول أرقام الجودة إلى قصص تسبق العيد إلى بيوت السودانيين

عرفة خواجة تكتب.. نقطة بداية.. هيئة المواصفات في قلب المعركة: من انتشال المستهلك من براثن السلع الفاسدة إلى غرس ثقافة السلامة في عقول الأطفال…

“أحباب المواصفات”.. عندما تتحول أرقام الجودة إلى قصص تسبق العيد إلى بيوت السودانيين

في زمن يشتعل فيه الواقع بالصراعات، ويعيش فيه المواطن السوداني على وقع أخبار الحرب وتداعياتها، تبرؤ قصة نجاح ناعمة، لكنها صلبة كقضبان المقاييس الذهبية. إنها قصة الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس، التي اختارت أن تحتفل باليوم العالمي لحقوق المستهلك لهذا العام، ليس بمؤتمر صحفي ، بل برسالتين: واحدة تنقذ جيوب الكبار من الغشاشين، وأخرى تغرس الأمان في عقول الصغار قبل أن يدخلوا إلى عالم الاستهلاك.

المستهلك.. من فريسة إلى شريك واعٍ

لم تكن مهمة الهيئة سهلة يوماً، لا سيما في ظل الظروف المعقدة التي تعصف بالبلاد قبل الحرب وبعدها. ولكن يبدو أن السيدة رحبة سعيد، المدير العام للهيئة، وفريق عملها (أركان حربها ) آمنوا بأن انهيار الدولة لا يعني انهيار الضمير. وقد أثمر هذا الإيمان نتيجة لافتة: تحول ملحوظ في وعي كل من التاجر والمواطن.

لم يعد المستهلك ذلك الطرف الضعيف في المعادلة، بل بات أكثر إدراكاً لحقوقه. والأكثر إدهاشاً هو تطور وعي التجار أنفسهم، وهو ما تجلى في مشاهد إيجابية غير مسبوقة، حيث بادر بعضهم بتسليم بضائع منتهية الصلاحية طواعية إلى الهيئة. هذا الفعل، ببساطته، هو انتصار كبير للفكرة التي تروج لها الهيئة: أن السلامة الاستهلاكية هي مسؤولية مشتركة، وليست مهمة رقابية فقط.

عيد بلا نار.. ورقابة لا تنام

ومع اقتراب زغاريد العيد وفرحة الأطفال، تتحول يقظة الهيئة إلى حالة تأهب قصوى. فالعيد لا يعني فقط الكعك والبسكويت، بل يعني أيضاً الألعاب، وتحديداً الألعاب النارية القاتلة التي تفتك بالأطفال كل عام. هنا، تعلن الهيئة الحرب على هذه “النار” باسم “السلامة”، في رسالة واضحة أن فرحة العيد لا تكتمل إلا بعودة الأطفال إلى منازلهم سالمين بأيدٍ وعيون سليمة.

ولأن المسؤولية مشتركة، فإن نداء الهيئة لا يقتصر على التجار، بل يمتد إلى الأسر. فسلامة حلويات العيد، من مطبخ البيت إلى أرفف المحلات، هي عنوان العيد الآمن. رسالة واضحة: لا فرحة بلا جودة، ولا عيد بلا صحة.

“أحباب المواصفات”… حين تخاطب المؤسسات الأطفال بلغتهم

لكن المفاجأة الأجمل كانت في زاوية أخرى من عمل الهيئة. في لحظة نادرة تتنزل فيها المؤسسات الرسمية من أبراجها العاجية إلى عالم الطفولة، أطلقت الهيئة العدد (37) من مجلة “أحباب المواصفات”. هنا، تتحول المصطلحات الجافة والمواصفات القياسية إلى حكايات لطيفة مع شخصيات “سوبر تقييس” و”الشرير مضروب” و”ماما رحبة” وأطفال الحلة.

إنها استراتيجية ذكية بعيدة المدى. فالمخاطبة بلغة الطفل هي استثمار حقيقي في “مستهلك المستقبل”، الذي سيكبر وهو يعلم أن هناك سلعاً تطابق المواصفات وأخرى لا، وأن له حقوقاً يجب أن يطالب بها. مجلة تجمع بين الترفيه والتعليم، وتضع اللبنة الأولى لمجتمع سوداني واعٍ، قادر على حماية نفسه من غول السلع الرديئة.

والإشادة التي حصلت عليها المجلة من رئيس الوزراء الدكتور كامل ادريس، ليست مجرد تكلفة سياسية، بل هي اعتراف بأن الأمل يُبنى بالعلم والمعرفة، حتى في أحلك الظروف.

كلمة أخيرة:

في الخامس عشر من مارس، يتذكر العالم حماية المستهلك. لكن في السودان، الهيئة لا تنتظر مناسبة لتذكرنا بأننا جميعاً مستهلكون. هي تذكرنا بأننا، رجالاً وأطفالاً، شركاء في بناء سوق آمن. وهي تثبت أن مؤسسات الدولة قادرة على العطاء والتجديد، ليس فقط بالرقابة والعقاب، بل أيضاً بالكلمة الطيبة والصورة الجميلة التي تصل إلى القلب قبل العقل.

ولنا عوده…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى