اخبار

حين يسقط الغناء في زمن البنادق د.أيمن محجوب عبد الله محمد

حين يسقط الغناء في زمن البنادق د.أيمن محجوب عبد الله محمد

حين يسقط الغناء في زمن البنادق
د.أيمن محجوب عبد الله محمد

في الوقت الذي يعيش فيه السودان واحدة من أقسى محنه في تاريخه الحديث، وتئن مدنه تحت وطأة الحرب والنزوح والدمار، يخرج علينا بعض من يسمّون أنفسهم فنانين في مشاهد لا تليق ببلد يحترق. خلافات مبتذلة، وشتائم علنية، ومقاطع فيديو تتطاير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وكأن السودان ليس في مأساة، وكأن الناس لا تبحث عن مأوى أو لقمة عيش أو قطرة أمان. ما نراه ليس فنًا، ولا اختلافًا بين مبدعين، بل هو انحدار أخلاقي وصخب فارغ لا ينتج إلا الضجيج.
إنه لأمر يدعو إلى الدهشة أن تتحول المنصات التي يفترض أن تكون نافذة للأمل أو وسيلة لرفع معنويات الناس إلى مسارح للمهاترات الرخيصة. يتقاذف هؤلاء الكلمات الفاحشة ويصنعون عواصف وهمية من الخصومات، وكأن الوطن بخير، وكأن الدم السوداني الذي يسيل في كل اتجاه مجرد تفصيل صغير لا يستحق منهم وقفة أو مسؤولية.
ثم تأتي المسرحية الثانية: مسرحية “الصلح”. بعد أن يملؤوا الآذان بالقبح، يعودون ليمثلوا دور المتسامحين، في محاولة لصناعة ضجة جديدة تعيد الأضواء إليهم. وكأن القضية ليست وطنًا ينزف، بل مجرد عرض إعلامي رخيص يهدف إلى جذب المشاهدات وزيادة المتابعين.
الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن السودان اليوم ليس في حاجة إلى هذا الضجيج. السودان اليوم يحتاج إلى رجال ونساء يحملون همّه بصدق، يحتاج إلى من يقفون مع شعبه في محنته، لا إلى من يحولون المأساة إلى مادة للتسلية الرقمية.
لقد أغلق السودانيون أبواب قلوبهم أمام هذا اللون من الغناء الذي فقد روحه ومعناه. فالفن الحقيقي في أوقات الشدة يجب أن يكون صوتًا للكرامة، ونشيدًا للصمود، وكلمةً ترفع الوعي وتشد أزر الناس، لا أن يكون ساحة للمهاترات والتفاهة.
وإن كان هؤلاء عاجزين عن أن يكونوا صوتًا يليق بوطن جريح، فالأفضل لهم أن يصمتوا. فالوطن الذي يقف أبناؤه في ميادين الدفاع عنه، ويقدمون أرواحهم من أجل بقائه، لا يحتاج إلى من يلهون في زوايا الإنترنت بمعارك كلامية لا وزن لها ولا قيمة.
من اليوم، يجب أن يكون الموقف واضحًا: لن نلتفت إلى هذا الضجيج بعد الآن. لن ننشغل بصغائر الأمور بينما الوطن في قلب العاصفة. السودان أكبر من هذه التفاهات، وأشرف من أن يتحول وجعه إلى مادة للفرجة.
أما أنتم… فاذهبوا بضجيجكم بعيدًا، فالوطن اليوم لا يسمع إلا صوت الذين يقفون معه، لا صوت الذين يتاجرون باسمه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى