عرفة خواجة تكتب.. نقطة بداية.. الدَّوحةُ التي لا تَغيبُ
عرفة خواجة تكتب.. نقطة بداية.. الدَّوحةُ التي لا تَغيبُ

عرفة خواجة تكتب.. نقطة بداية..
الدَّوحةُ التي لا تَغيبُ
في الثامن من مارس من كل عام، يحتفل العالم بالمرأة، ولكن في الحادي والعشرين منه، تخصُّ الأمهاتُ وحدَهنَّ، وكأنَّ الدنيا كلها تتفق على أنَّ للأم مقاماً لا يشاركها فيه أحد. لكنَّ الأمومة في السودان ليست مناسبةً تُحتفى بها يوماً وتُنسى ما بقي من العام، بل هي قضية وجود، وسيرةُ نضالٍ تُكتبُ بالجمر، وتُروى بالدمع، وتُختَمُ بالدعاء.
هي الأم السودانية… تلك التي حملت في أحشائها الحياة، وفي كفَّيها الوطن. تلك التي لم تنتظر أن يُكرِمَها الزمان، بل أكرَمَتِ الزمانَ بصبرها، وعلَّمتنا كيف تكون القوةُ في الضعف، والكبرياءُ في الجوع، والحضورُ في الغياب.
في زمن الحرب… لم تكن الأمهات بعيدات عن نيرانها. كنَّ في الخنادق الأولى، يحملن أطفالاً على الأكتاف، وأحلاماً في القلوب، وجراحاً لا تُرى تحت الثياب. رأين البيوت تتهاوى فوق رؤوس أبنائهن، ورأين الغالي يغيب في لحظة، ثمَّ يمضينَ كأنَّ شيئاً لم يكن، لأنَّ الباقين يحتاجون إلى من يُكمِلُ لهم الحياة.
وهنا، لا بدَّ أن نقف إجلالاً لأمهات شهداء معركة الكرامة… أولئك اللواتي قدَّمنَ فلذات أكبادهنَّ فداءً للوطن، فلم يبخلنَ بأغلى ما يملكن. سَلَّمنَ أبناءهنَّ للتراب يروونه بالدم، وعادت إليهنَّ الأخبار فجعتُهنَّ، لكنهنَّ لم ينكسرن. بتْنَ في الليالي الطوال يلملمنَ جراحَ أحفادٍ فقدوا الآباء، ويغرسنَ فيهم أنَّ الشهادةَ ليست نهاية، بل بدايةٌ لا تُنتهى.
هي الأم السودانية، أيضاً الزوجة الحبيبة، التي تقف إلى جانب زوجها في الشدة والرخاء. في أيام الحرب، لم تكن شريكةً عقد الزواج فحسب، بل شريكةً في القرار، وفي حمل الهمِّ، وفي انتظار الغائب على أعتاب الخوف. كانت له سنداً حين ضاقت به السبل، وكانت له عوناً حين تعثَّرت الخطا. وفي كلِّ بيتٍ سودانيٍّ، هناك قصةٌ لامرأةٍ حوَّلت الخيمةَ بيتاً، والغربةَ وطناً، واليأسَ إصراراً.
والأخت… يا لها من كلمة تختزلُ الحنانَ والقوة. تلك التي نشأت مع إخوتها على العطاء، فكانت الأختُ أماً ثانية، والرفيقةَ في درب العمر. في زمن الحرب، حملت الأختُ من المسؤولية ما كان يُحمِّل الجبال، فكانت السندَ والملاذَ والركنَ الركين.
تحيةً لنساء بلادي… القابضات على الجمر، اللواتي يخبزنَ الحياةَ بأيدٍ عارية، ويُطعمنَ الآخرين من جوعهنَّ، ويُضحكنَ الصغار وفيهنَّ من الحزن ما لو وُزِّع على مدينةٍ لانهدمت.
أيتها الأمهات… أنتنَّ الدَّوحةُ التي لا تغيب. في ظلِّكنَّ نستظلُّ، وعلى دربكنَّ نمضي. مهما اشتدَّت الرياح، تبقينَ هناك… شامخاتٍ، صابراتٍ، محتسباتٍ. فلكم منَّا كلَّ التقدير، وكلَّ الدعاء، وكلَّ العرفان.
وعيدُكنَّ كلُّ يومٍ نرى فيه ابتسامة طفلٍ نجا، أو وطنٍ يُبنى من جديد.




